فيدرالية المملكة المغربية ـ الجزء الثاني ـ

هادي معزوز

المجال التنظيمي: سنكون متفقين أيما اتفاق، أن من بين المعضلات التي تعيق المجال السياسي بالمغرب، مشكل ذهنية المُواطن من جهة، وتكوينه التعليمي من جهة أخرى، ومثلما ذكرنا سابقا، فإن عزوف الطبقة المتوسطة عن المشاركة السياسية، يعني غياب ديمقراطية الاختيار الأنسب لمن يمثل الشعب، خاصة وأن المشاركين اليوم في التصويت، لا ينطلقون من مبدأ المواطنة، ولا من مبدأ المسؤولية الأخلاقية عند الإدلاء بالصوت، بل تتدخل عوامل أخرى ليست من الموضوعية بشيء، الأمر الذي يمنحنا تمثيلية معاقة وناقصة، إما على المستوى البرلماني أو الجماعي، ولنا في خرجات ممثلي الشعب أمثلة عدة، سواء داخل قبة البرلمان، أو بين قاعات مقرات الجماعات ومجالس المدن. فما الحل إذن؟

يجب إعادة الثقة إلى المشاركة السياسية، عبر شروط متعددة من بينها المستوى الدراسي، وحينما نشدد عليه بهذه الطريقة، فقط كي نقول إن المسؤولية التمثيلية، لا يمكن أن تقتصر في كل حال من الأحوال على الانتماء الطبقي، ولكن على مدى التشبث بالوطنية. وأما الشرط الثاني فيجب أن يخضع لمنطق المحاسبة والتناوب السياسي، من خلال الاعتماد على ولايتين برلمانيتين أو جماعيتين فقط لكل شخص. أولا ضمانا للاستمرارية وتجديد الطاقات، وثانيا للتخلص من اعتقاد حقيقي، مفاده أن المسؤولية السياسية باتت الوجه الآخر للاغتناء السريع، وتعزيز النفوذ، ومراكمة الثروة.

إن رأينا حول فيدرالية المملكة المغربية، لا يمكن قياسه بمحطة انتخابية وحيدة أو اثنتين فقط، بل يتطلب نفسا طويلا وصبرا أطول، خاصة وأن جزءا من شقه الزمني، يرتبط بتغيير الذهنيات وليس بتغيير النصوص القانونية المُنظِّمة. ولا شك أن ما حصل من احتجاجات "جيل زد" يُبيّن بالملموس أنه ثمة تباعد سياسي رهيب بين المسؤول والمواطن، مثلما أنه ثمة أيضا وعي سياسي لدى شباب اليوم، إلا أنه وعي يعاني من فراغ مَهُولٍ، والشاهد على ذلك أن طبيعة الشعارات وشكل المطالب المرفوعة، لا يدع مجالا للشك بأن تغيير طريقة التسيير والتدبير السياسيين، لا بد أن يتم بروح صادقة مسؤولة، وهو الأمر الذي يكاد يكون منعدما لدى "النخب السياسية" التي لا يفرقها على كراسي السلطة سوى الموت، وكأن لا أحد غيرها يفقه في السياسة.

لذا، وإضافة إلى ضرورة التقدم إلى الانتخابات بمنطق التكتلات أو الأقطاب اليمينية والوسطية واليسارية ـ وهو ما سيحصل عاجلا أو آجلا بقوة الواقع والتراكم الكمّي والحاجة إلى البقاء ـ فقد توجب أيضا تأسيس قانون تنظيمي للأحزاب، يلزم بموجبها الاكتفاء بولايتين لكل أمين أو كاتب عام، مع ضرورة تنظيم المؤتمرات الوطنية والجهوية والإقليمية في موعدها المحدد، وهي التي تُموّل في جزء منها بالمال العام.

المجال الترابي: بدل الحديث عن الجهوية الموسعة التي انتهت شروط بقائها، سيتم الحديث عن الفيدرالية التي تمتلك نصيبا كبيرا من الحكم الذاتي على كل المستويات، خاصة التنظيمية منها والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية والثقافية. وهكذا فإن التمثيلية على المستوى الفيدرالي، يجب أن تتأسس ليس بمنطق التوافقات الحزبية الضيقة التي تنتهي بنهاية مدة الدورة التشريعية، وإنما بواسَطة التكتلات أو الأقطاب السابق ذكرها، على الأقل ضمانا لبعض القواسم المشتركة، والحق أنه إذا سارت الأمور على هذه الشاكلة، نكون فعلا قد وضعنا الشروط واللبنات الأولى للتسيير الفيدرالي القائم على الأغلبية كأغلبية ديمقراطية. والمعارضة كمعارضة مُمأسسة تلتقي فيما تختلف فيه مع الأقطاب الأخرى.

وفي السياق عينه، فإنه حينما نعود إلى البرامج الانتخابية التي تقدمها الأحزاب، نجد أنها ترسم للمُواطن طريقا مفروشا بالورود. المشكلة أن السواد الأعظم من المصوتين لا يَطّلعون على تلك البرامج التي يصوتون عليها، إنهم يقدمون الصوت للشخص وليس للبرنامج، علما أن نسبة مخيفة منهم لا تتقن القراءة. وعليه، فقد توجب في هذا السياق، التأسيس لميثاق شرف، يتم بموجبه التسطير للبرنامج الانتخابي بمنطق واقعي من جهة أولى، ثم وضع تقرير نهائي خلال نهاية الولاية الانتخابية من جهة ثانية، شريطة أن يبلغ نسبة مهمة من نجاحه. فإذا سارت الأمور على هذا النحو، نكون قد بلغنا الحد الأدنى من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لهذا قلنا سلفا، أن نجاح فكرة الفيدراليةيتطلب نفسا وصبرا طويلين.

يجب التأكيد في ذات المعرض، أن نجاح مبدأ الفيدرالية، رهين بالعدالة المجالية. فالحكم الذاتي سياسيا، لابد أن يرافقه أيضا اكتفاء ذاتي خاصة على المستوى الاقتصادي، لكن مع ضرورة التنبيه إلى أمر مهم، وهو سوء تدبير اللامركزية، والحال أن بعض العوامل تفرض مركزية بقوة الواقع، إذ لا ضير مثلا أن تتمركز الصناعة في قطب الدار البيضاء وطنجة، بل يجب تكريسها وليس القطع معها نظرا للتراكم التاريخي في ذلك، مثلما توجب أن تتمركز السياحة في قطب بعينه، مع ضرورة التمييز بين السياحة الثقافية والطبيعية، وهو للأسف أمر تحدثنا عنه في أكثر من معرض دون أن نجد تطورا بخصوصه. نفس الشيء يتعلق بالفلاحة والصيد البحري والمناجم والخدمات والبحث العلمي، إذ بقدر ماأن مصير الدار البيضاء مرتبط بالمال والاعمال، بقدر ما أن الثوب المناسب لوسط المغرب، مرتبط بالفلاحة، شريطة توفير ظروف نجاحها، خاصة فيما يتعلق بندرة المياه. وهكذا، فإذا تميزت كل جهة بميزة تخصها، فإنها تتميز بحكمها الذاتي الذي يعرف حدود إمكانياتها البشرية واللوجستية والطبيعية. وهذا ما سيجعل الواقعية الحكم الفيصل، بدل نثر الوعود الزائفة التي تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.

صحيح أن إنجاح هذا المشروع يتطلب تفكيرا ورويَّة، لكن النجاح في أي شيء رهين بالسواعد المتينة والإيمان بالمسؤولية والالتزام. هي مبادئ لا تتوفر حاليا لدى النخبة السياسية. لكن حينما تتوفر الإرادة السياسية يمكنها أن تهدم جدرانا متآكلة لصالح أخرى متينة بقوة مدى التزامها ومسؤوليتها.