في ضيافة السفير

أحمد مدياني
أحمد مدياني

منذ اندلاع فصل آخر من فصول الحروب التي لا تنتهي بالشرق الأوسط، اشتعلت "حربٌ" من نوع آخر بين جزء من المغاربة، ميدان خوضها الدائم، مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الاصطفاف مع طرف على حساب آخر يأكل بشكل متسارع من مناعة وطنية أسس لها المغاربة في ما بينهم منذ قرون، على اختلاف قناعاتهم وإن بدون اتفاق مسبق بينهم.

خطان مغربيان يظهران متوازيين، لن يصلا أبدا لنقطة التقاء مشتركة، لكنهما في الحقيقة يؤديان مهمة واحدة، هي نقل الشتات في الخارج للداخل.

كلاهما يجتهدان في تصنيف المغاربة... من منهم الصالح؟ ومن يجب وضعه داخل خانات الطالحين؟

كلا الفريقين المتناحرين زادهما تعريف ضيق للوطنية، أولا... معايير ذاتية لا موضوعية تجاه من منهما المنتصر للمبادئ، ثانيا... ثم أخيرا، تعريفات سطحية للولاء!

هناك من سيرى في ما ذكرته سلفا حمولات سوداوية مبالغا فيها... أن ما يحدث من تدافع بين المغاربة الذين يعبرون عن "آرائهم" يضمن استمرارية وجود مجتمع متحركٍ، ينبض بالاختلاف، يُبعد خطر هيمنة القطب الواحد.

سيكون هذا الرأي صائبا بشكل تام وليس مجانبا له فقط، إن تحققت ثلاثة عناصر أساسية ليكون كذلك.

ما هي؟

قبل الإجابة، أجد اليوم ضرورة ملحة للعودة إلى لحظة من لحظات الجلوس في حضرة الكبار قولا وفعلا للتعلم، حصد المعرفة، وملء خزانات محاولات الفهم بوقود الإنصات لما ينطق بلغة الواقع، لا ما تشتهيه "النوايا الحسنة" التي لا تبنى بها السياسة، كما يقول صاحب كتاب "الأمير" مكيافيلي.

كانت اللحظة دعوة من عمر زنيبر، السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، لتناول وجبة الإفطار الرمضانية بمقر إقامته.

طيلة الجلسة في حضرته وهو يسرد لنا الأحداث والوقائع النابعة من رحم الدبلوماسية والسياسات الخارجية... بتركيز تام مع حديثه وتفاعلاته، غير المشمولة بواجب التحفظ، قفزت للذاكرة، أكثر من مرة، مشاهد من زمن الانخراط التام في العمل السياسي والنقابي والجمعوي... حينها، صعدت فوق الأكتاف أو اعتليت "الهوندا"، أصدح بشعارات يرددها أمامي عشرات الآلاف، جُل، إن لم أقل كل، مضمونها، لا يُنتجه الفهم بل تحركه العاطفة، التي وجدت بعد حين أنه كان يغذيها الخوف من انتفاء الانتماء أو انتزاعه منك بعنف رمزي مطلق.

الانتماء لجزء من مجتمع منغلقٍ على نفسه يفرض عليك ما يجب أن تستهلكه ثم تتقيأه دون هضمه. ما مررت به، هو أكيد جزء من مراحل التكوين التي تُعتبر بمعايير أزمنة الأيديولوجيا الجافة، فاتحة الطريق نحو التطور أو النضج.

بمعايير اليوم، هي مقدمة هدمٍ مبكرٍ لأسس صناعة إنسان يفكر باستقلالية، زاده الفهم عوض الاجترار.

وأنا أنصت للسفير زنيبر، وضعت أشياء كثيرة أنتجتها، ساهمت فيها بالكثير أو القليل، فوق ميزان قياس وزن واقعيتها، بل الجدوى من تصريفها. وجدت مرة أخرى، أن جلها كان نابعا من "مرض الطفولة اليسارية" كما وصفها وأصلَ لها فلاديمير لينين تماما.

أستمر في الإنصات أكثر مما أتكلم... أستحضر مرة أخرى كيف كانت التجربة المهنية الأولى داخل مقر الأمم المتحدة بجنيف، وكيف هي اليوم بعد تجارب أخرى توقفت عن عدها.

تساءلت: هل تطورت؟ أجبت: نعم!

انتهى زمن الدعوة، لحقته بعد العودة إلى المغرب رسالة شكرٍ من السفير زنيبر، في تفاعله مع ما أنتجه من تقارير وروبرتاجات ومواد صحفية، أنجزتها خلال الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان.

ما تعلمته خلال الجلسة، تلخصه مقولة شارل دوغول: "الدول ليس لها أصدقاء دائمون بل مصالح دائمة". وما بين حدود الصداقة والمصالح، توجد الضرورة لجعل ما نعيشه من تدافع اليوم، لصالحنا لا ضدنا جميعا.

هنا، لنعد للإجابة عن سؤال:

ما هي العناصر الأساسية الثلاثة التي يجب أن تتحقق ليكون الاستقطاب الذي نعيشه لصالح المغرب والمغاربة؟

1 المعرفة

أعتقد أن أول عنصرٍ هو المعرفة. نعم، لا يمكن الاستمرار في قبول استهلاك صناعة الرأي أو تعميمه من مصادر يحرك قلمها الافتراضي العاطفة على حساب المعرفة.

مهما كان لون العاطفة... أحمر أو أخضر أو بينهما. عن نفسي، في كثير من الأحيان، مؤخرا، حين تحضر فكرة صياغة مقالٍ للرأي، أتريث، لا أبادر بكتابة أول حرف دون الإجابة عن سؤال: هل أنا ملمٌ بالموضوع بدرجة تلامس النصف على الأقل؟

حين لا أجد الجواب، أتوقف تماما، ثم أمر إلى ما هو أهم، محاربة الأمية حيث توقفت، لا تعميمها!

نحن اليوم، أمام "تسونامي من الأمية"، الأخطر أنها تسوق مغلفة بالصفات التي يحملها مروجوها.

أصبح المغاربة مكرهين على التفاعل مع أشخاص يفهمون في السياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية وكرة القدم والطبخ... يفتون حتى في الفرق ما بين مكونات قطرات المطر التي تسقط على جبال "الحوز" وشقيقتها على سهول "الغرب"...

2 "وطنية زائفة".. "نضالية شعبوية"

"الزلايجية"... "الكوفيين"... "العياشة"... "العدميين"... عبارات وأخرى تحولت إلى ما يشبه "أسلحة دمار شامل" ... نعم، دمار تماسك مجتمع انتقلت فيه جرعات الاختلاف إلى مستويات قياسية من اقتراف الإقصاء على أسس درجات القرب من معسكر على حساب الآخر.

معسكرات ترفع إما ألوية "الوطنية الزائفة" أو "النضالية الشعبوية". تحت شعار: إما أن تكون معنا أو ضدنا ويجب أن تُشهر ولاءك أمام العلن.

بل ذهبت الوجوه الافتراضية البارزة لهذه المعسكرات، حد تصنيف الصمت جريمة.

أنت مجرمٌ إما "ضد الوطن" أو "ضد النضال"، إن اخترت الصمت، فقط لأنك لا تملك الزاد المعرفي الذي يؤهلك لـ"رمي سطلك وسط السطولة".

3 الولاء لغير الوطن

"الدفاع عن وطنك لا يمر بالضرورة عبر قنوات التماهي المطلق مع سياسات من يحكمه" كما "لا يُنتجُ الدفاع الصادق بمعاداتهم في كل شيء وعلى أي شيء".

الوقوف عند جبهة الدفاع يتغير بتغير المواقف، يحدده معيار الولاء الحقيقي. هنا، إن أردت اختباره، اسأل نفسك سؤالا بسيطا، هو: هل ما أنتجه الآن من رأي أو فعلٍ لصالح جهة على حساب أخرى أم لصالح الجميع مهما اختلفت مواقعهم؟

إن كان جوابك يصب مضمونه لصالح جهة على حساب أخرى، فإن ولاءك لها، وسوف تُغير قناعاتك - إن وجدت أصلا - بالدرجة التي تتغير فيها مصالح من تخدمهم، لا ما يخدم الولاء للوطن.

 ختاما، أعترف أن صياغة هذا المقال كانت مرهقة لحد كبير.

لماذا؟

لأننا نتجه بشكل متسارع جدا نحو انتفاء الإنتاج والاكتفاء بالاستهلاك. لم يعد بيننا من يقدمون للمغاربة ما يفهمون به بلادهم ويحللون من خلاله محيطهم القريب والبعيد.

أصبحنا نعيش مكرهين وسط فوضى "المعاطية الافتراضية" المغلفة بالصفات الأكاديمية لمنتجيها. نعيش انعكاسات ولاءات الخارج على حساب مصالح الداخل. مع ذلك، يجب أن نعترف أنه في مستويات حين يحتاج المغرب حضور الدولة، تقوم الأخيرة بدورها كما يجب.

حين احتجت أنا هنا، طرد ضجيج أفكار مزمن، تذكرت أنني اصطدت بعض المعرفة التي سهلت لحد كبير الإدلاء بالدلو، حين حظيت بعيدا عن البروتوكولات الرسمية، بفرصة الجلوس في ضيافة السفير.