قبل استحقاقات 2026.. الترحال السياسي وسباق المواقع يعود إلى الواجهة

خديجة عليموسى

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تعود ظاهرة الترحال السياسي لتفرض نفسها من جديد على واجهة النقاش العمومي، باعتبارها أحد أبرز مظاهر هشاشة البناء الحزبي، وعنوانا للاختلال البنيوي الذي يطفو على السطح كلما اشتدت المنافسة على المواقع والمناصب.

ومن يتابع المشهد السياسي، في الآونة الأخيرة، يدرك أن حركة الترحال انطلقت، وإن بصيغة هادئة ومتدرجة، فهناك حديث داخل بعض الأحزاب عن استقالات متوقعة، وتحركات فردية وجماعية لإعادة التموقع، وقيادات محلية بدأت تعيد ترتيب أوراقها بحثا عن مواقع تعتبرها أكثر أمانا انتخابيا، هي لعبة الكراسي لا البرامج، بمنطق الحساب لا الاقتناع.

الانتهازية السياسية

ترحال النخب السياسية ليس معطى مغربيا خالصا، بل ظاهرة تعيشها أنظمة حزبية كثيرة في العالم، لكنه اتخذ في السياق الوطني أبعادا متكررة مع كل استحقاق انتخابي. ويبدو أن العوامل البنيوية الداخلية في الأحزاب، إلى جانب منطق المصلحة، تغذي هذه الحركية المتزايدة.

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي عبد النبي صبري، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، إن "الترحال السياسي هو ظاهرة تعرفها أغلب الأحزاب السياسية عبر العالم، وقد لاحظنا أن الهند، مثلا، اعتمدت منذ ثمانينيات القرن الماضي قانونا خاصا لمكافحة الانشقاق الحزبي بعدما أحدثت الظاهرة آثارا سلبية داخل المجتمع".

وأوضح أن أحد الأسباب يرجع إلى "ضعف بنية عدد من الأحزاب السياسية غير المؤسسة، والتي يغلب عليها الطابع الشخصي، دون خلفية تنظيمية راسخة"، مما يفتح الباب أمام الانتهازية السياسية.

وأضاف أن السبب الآخر مرتبط بالمصالح الضيقة، حيث إن النائب أو البرلماني أو السياسي، بصرف النظر عن موقعه، لا تجمعه بالأحزاب إلا المصلحة، قائلا "نادرا ما تجد شخصا مرتبطا بالحزب بناء على مبادئه أو على مشروعه، بل تجد الانتماء قائما على منطق الغنيمة، حيث يتجه السياسي حيث يرى أن مصلحته ستكون هناك".

واعتبر صبري أن هذا واقع مع الأسف، إذ فشلت جل الأحزاب السياسية في تأطير كفاءات بوازع وطني حزبي خالص، مضيفا أن ما وقع في الهند في أواسط الثمانينيات وجد صداه في المغرب في تسعينيات القرن الماضي، حيث بدأت دائرة الترحال تتسع بشكل واضح.

وأشار إلى أنه بعد تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، لوحظ وجود ترحال سياسي كبير في اتجاهه، مضيفا أن الظاهرة برزت بقوة في الانتخابات التي عرفتها سنوات 2002 و2007 و2011، حيث لم يكن هناك مانع قانوني يردع البرلماني أو المنتخب من تغيير انتمائه السياسي.

 وأوضح صبري أن التحول حصل بعد دستور 2011، خاصة مع الفصل 61، الذي ينص بوضوح على أن كل من غير انتماءه السياسي الحزبي الذي ترشح باسمه يجرد من عضويته بأحد المجلسين.

وأكد أن المحكمة الدستورية، منذ 2011، جردت عددا من البرلمانيين بسبب ارتكابهم هذا الفعل الموصوف بالخطيئة، أي تغيير الحزب الذي ترشحوا باسمه.

وينص الفصل 61 من الدستور على أنه "يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.

وتصرح المحكمة الدستورية بشغور المقعد، بناء على إحالة من رئيس المجلس الذي يعنيه الأمر، وذلك وفق أحكام النظام الداخلي للمجلس المعني، الذي يحدد أيضا آجال ومسطرة الإحالة على المحكمة الدستورية".

وفي سياق الانتخابات المقبلة، قال صبري إننا نعيش اليوم  التسابق نحو قيادة  "حكومة المونديال"،  مشيرا إلى أن "كل حزب يريد أن يكون له موقع في الانتخابات المقبلة وأن طريقة الوصول إلى المرتبة الأولى أصبحت عند البعض لا تهم، ما دام الهدف هو قيادة المرحلة".

وتابع قائلا "لكن الواقع يقول شيئا آخر، خاصة وأن الظرفية السياسية اليوم ظرفية حرجة بالنسبة لعدد كبير من المواطنين".

ترحال انتخابي بقواعد متكررة

ما يلفت الانتباه هو أن ظاهرة الترحال السياسي تكاد تخضع لقانون تكرار ثابت، يظهر بشكل أكثر حدة مع اقتراب الانتخابات، ويستفيد في حالات كثيرة من غياب الإطار القانوني الصارم، خصوصا على مستوى الجماعات الترابية.

وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي "إن هناك قاعدة تحكم هذه المسألة، مفادها أنه "كلما اقتربنا من الانتخابات، إلا وكنا أمام تأسيس أحزاب جديدة، وظهر الترحال السياسي من جديد"، مشيرا إلى أن هذه القاعدة ستتكرر أيضا في الانتخابات المقبلة.

واعتبر أن هذه الظاهرة، رغم تبني نظام الاقتراع باللائحة، ما زالت تحكمها عقليات مرتبطة بالاقتراع الفردي، موضحا أن الناس "ما زالوا يصوتون على الشخص، سواء أكان من الأعيان أو من المؤثرين المحليين، وليس على البرنامج أو الحزب".

وقال إن المنتخب حين يغير حزبه السياسي، فإنه يجر وراءه قاعدته الانتخابية، خاصة إذا كان له وزن داخل منطقته، بغض النظر عما إذا كانت هذه القاعدة مؤسسة على المبادئ أو على منطق المصلحة ودعم من يدفع أكثر.

وفي ما يتعلق بالسند القانوني للترحال داخل البرلمان، أوضح صبري أن النص الدستوري يتحدث فقط عن من أصبح برلمانيا، أي أنه يسري فقط خلال فترة الولاية.

وأشار إلى أن هذا النص مرتبط فقط بمدة الولاية، قائلا "عندما تنتهي الانتخابات، تنتهي الولاية، والنائب الذي لا تربطه بالحزب رابطة أخلاقية أو إيديولوجية، يسعى فقط إلى الحفاظ على المنصب، ويتجه نحو الجهة التي يراها رابحة".

وأكد صبري أن هذا الوضع، وإن كان مرتبطا بالنظام البرلماني، فهو لا يسري على الجماعات، مضيفا "لاحظنا، مثلا، في بعض الجماعات أن رئيسا منتخبا غير انتماءه إلى حزب آخر، فتبعته مجموعة من المستشارين"، معتبرا أن هذه الحالة تبرز واحدة من الإشكالات المرتبطة بظاهرة الترحال السياسي.

وإذا كانت معظم حالات الترحال السياسي ترتبط بالسعي نحو المناصب، فهناك بعض حالات الترحال لا تحركها فقط شهية المواقع، بل تعكس في بعض الأحيان ضيق الأفق داخل الأحزاب ذاتها، حيث تعاني بعض التنظيمات من انغلاق القرار السياسي، وهيمنة دوائر ضيقة على مفاصل الحزب، مما يدفع عددا من الأطر إلى مغادرة سفينة لم تعد تتسع لآرائهم أو طموحاتهم.