كتاب يكشف"سرا دبلوماسيا": خوان كارلوس لبريطانيا في 1983: لا نريد جبل طارق… الأولوية لأوروبا !

منير أبو المعالي

كشفت معطيات جديدة وردت في كتاب حديث للمؤرخ البريطاني تشارلز باول، مدير المعهد الملكي الإسباني «إلكانو»، عن تفاصيل غير معلنة من كواليس الدبلوماسية الإسبانية خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، تتعلق بالموقف الحقيقي لمدريد من ملف جبل طارق، الذي ظل لعقود عنواناً ثابتاً في الخطاب السياسي الإسباني.

وبحسب ما أورده باول في مؤلفه الجديد «الملك خوان كارلوس الأول والإسقاط الخارجي لإسبانيا»، فإن العاهل الإسباني السابق خوان كارلوس الأول أبلغ مسؤولين بريطانيين، في محادثات خاصة خلال سنة 1983، بأن استرجاع جبل طارق لم يكن أولوية حقيقية بالنسبة لإسبانيا، وأن الهدف الأكبر كان ضمان انضمام البلاد إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية، حتى وإن تطلب ذلك تهدئة ملف السيادة على «الصخرة» في تلك المرحلة.

ونقلت الصحافة الإسبانية عن الكاتب قوله إن الملك الراحل تحدث، في لقاءات مغلقة، مع شخصيات بريطانية رفيعة، من بينها وزير الخارجية البريطاني آنذاك، والسفير البريطاني في مدريد، والمؤرخ هيو توماس، مؤكداً أن إسبانيا كانت مضطرة لإظهار التشدد تجاه جبل طارق فقط لإرضاء الرأي العام الداخلي، في حين كانت القيادة السياسية تعتبر أن «المعركة الحقيقية» هي دخول أوروبا وتثبيت موقع إسبانيا داخل المنظومة الغربية بعد سنوات حكم فرانكو.

ويشير الكتاب إلى أن لندن كانت تملك في ذلك الوقت ورقة ضغط حاسمة، إذ كان البرلمان البريطاني قادراً على عرقلة انضمام مدريد إلى المجموعة الأوروبية ما لم تتم إعادة فتح قنوات التواصل بالكامل بين إسبانيا وجبل طارق، وهو ما دفع مدريد إلى اعتماد مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الملف، تقوم على تقديم تنازلات عملية دون الذهاب إلى مواجهة سياسية مفتوحة حول السيادة.

وفي سياق متصل، تحدث باول عن اجتماع جرى في صيف 1983 داخل قصر «لا ثارثويلا» بين خوان كارلوس والسفير البريطاني في مدريد، ريتشارد بارسونز، حيث أكد الملك أن مدريد لا تسعى إلى حل فوري لمسألة جبل طارق، مقترحاً اعتماد «محادثات سرية» للفصل بين الأهداف الاستراتيجية الحقيقية والخطاب الموجه للرأي العام.

كما يكشف الكتاب عن عنصر إقليمي حساس كان حاضراً في حسابات مدريد آنذاك، ويتعلق بتحذير من الملك الراحل الحسن الثاني، مفاده أن أي استرجاع إسباني لجبل طارق قد يفتح الباب أمام مطالبة المغرب بسبتة ومليلية، وهو ما جعل الملف أكثر تعقيداً بالنسبة لصناع القرار في إسبانيا، ودفعهم إلى تفادي أي تصعيد قد يجر المنطقة إلى توترات سيادية متداخلة.

ويرى باول أن خوان كارلوس الأول كان يسعى طوال سنوات حكمه إلى تحقيق توازن دقيق بين الرمزية الوطنية التي يمثلها ملف جبل طارق داخل إسبانيا، وبين الأولويات الكبرى للدولة التي كانت تضع الاندماج الأوروبي والاستقرار السياسي في صدارة الأهداف، خاصة أن استطلاعات الرأي في تلك المرحلة كانت تُظهر أن جبل طارق لم يكن على رأس اهتمامات الإسبان مقارنة بقضايا الديمقراطية والاقتصاد.

وتعيد هذه المعطيات فتح النقاش في إسبانيا حول حقيقة الخيارات التي حكمت السياسة الخارجية في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، ودور المؤسسة الملكية في إدارة ملفات السيادة والتوازنات الإقليمية، خصوصاً في ظل استمرار ملف جبل طارق كأحد أكثر القضايا حساسية في العلاقات الإسبانية-البريطانية إلى اليوم، وتقاطعه مع ملفات أخرى في الضفة الجنوبية للمتوسط.