فوضى ممارسة مهنة الأخصائي النفسي.. التقدم والاشتراكية يقدم مقترح قانون لتنظيمها

خديجة قدوري

قدم رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، إلى جانب باقي عضوات وأعضاء الفريق، مقترح قانون يتعلق بتنظيم مهنة الأخصائي النفسي، وبإحداث هيئة وطنية للأخصائيين النفسيين، وذلك لتعزيز تأطير هذا المجال وضمان جودة الخدمات النفسية المقدمة للمواطنين.

وأشارت الوثيقة، التي توصل "تيلكيل عربي" بنسخة منها، إلى أن العالم المعاصر يشهد تحولات مجتمعية عميقة على مختلف الأصعدة، في مقدمتها التحولات الرقمية المتسارعة، وما يرافقها من ضغوط وأزمات نفسية متزايدة. فقد أفرزت الثورة العلمية والصناعية والتكنولوجية، إلى جانب إيجابياتها، جملة من الاضطرابات النفسية لدى الأفراد، أثرت على قدرتهم على التكيف مع ذواتهم ومع محيطهم الاجتماعي، وأسهمت في إعادة تشكيل أنماط العيش والتفاعل الإنساني، بما انعكس بشكل واضح على بنية العلاقات الاجتماعية.

وأضافت الوثيقة أن روافد التنشئة الاجتماعية أصبحت متعددة ومتشابكة، حيث تتداخل فيها مصادر التأثير بين الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مما جعل سلوك الأفراد أكثر تعقيدًا وتداخلا مع عوامل نفسية واجتماعية وثقافية مختلفة. وفي ظل هذه التحولات العميقة وغير المتحكم فيها، برزت الحاجة الملحة إلى تعزيز دور الأخصائي النفسي، من أجل مواكبة هذه التغيرات ومساعدة الأفراد على تجاوز الصراعات والصدمات، وتحقيق التوافق والصحة النفسية، إلى جانب الإسهام في نشر ثقافة الوقاية والإرشاد النفسي والحد من الاضطرابات والمشكلات ذات الصلة.

ونص مقترح القانون في بابه الأول المتعلق بالأحكام العامة على أن مزاولة مهنة الأخصائي النفسي تتم وفق الشروط والقواعد المحددة في هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه. كما عرف في المادة الثانية الأخصائي النفسي بأنه كل شخص ذاتي حاصل على شهادة جامعية متخصصة في علم النفس وفق الشروط المنصوص عليها، يمارس بصفة اعتيادية ومقابل أجر أو بدونه أنشطة التقييم أو التشخيص أو المواكبة أو العلاج النفسي غير الدوائي أو التدخل أو الإرشاد النفسي، وفق المعايير العلمية المعترف بها، على أن يكون مقيدا في السجل الوطني للهيئة. كما حدد المقترح مفهوم المستفيد في كل شخص طبيعي يتلقى خدمة نفسية، والهيئة المهنية في الهيئة الوطنية للأخصائيين النفسيين المحدثة بموجب هذا القانون.

وحدّدت المادة 3 من مقترح القانون مجالات ممارسة الأخصائي النفسي، حيث تشمل على الخصوص علم النفس الإكلينيكي والمرضي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس العصبي، وعلم نفس الشغل، وعلم النفس المعرفي، وعلم النفس الصحي، وعلم نفس الإجرام، وعلم النفس المدرسي والتربوي، إضافة إلى كل التخصصات المنبثقة عن علم النفس والمتعلقة بالراحة النفسية وجودة الحياة سواء في بعدها النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو التربوي. كما نصت على أن هذه المجالات لا تدخل ضمنها الممارسات الطبية أو وصف الأدوية أو أي اختصاص محفوظ قانونا لمهن أخرى منظمة، مع إمكانية تتميمها بنص تنظيمي.

ونصت المادة 4 من مقترح القانون على أن مهام التقييم والتشخيص، بما فيها إجراء الاختبارات النفسية والعلاج والتدخل النفسي، تمارس بصفة حصرية من قبل الأخصائيين النفسيين المقيدين في السجل الوطني، مع مراعاة الاختصاصات المخولة قانونًا لباقي المهن الصحية المنظمة.

كما أكدت المادة 5 على منع استعمال لقب "أخصائي نفسي" أو أي تسمية أو صفة مماثلة من شأنها إحداث لبس لدى العموم، إلا من قبل الأشخاص المستوفين للشروط المنصوص عليها في هذا القانون، والمقيدين في السجل الوطني للهيئة، والحاصلين على ترخيص مزاولة ساري المفعول.

وجاء في المادة 8 من مقترح القانون أن لائحة الشهادات المقبولة، وشروط التدريب الميداني، وكيفيات معادلة الشهادات الأجنبية، تُحدد بموجب نص تنظيمي، بما يضمن ضبط المعايير العلمية والتكوينية المعتمدة في الولوج إلى المهنة.

كما نصت المادة 9 على إمكانية قبول طلب التسجيل في السجل الوطني من قبل الحاصلين على شهادات في تخصصات علمية مرتبطة بعلم النفس، لا سيما في مجالات الفسيولوجيا البشرية أو علوم الصحة، شريطة التوفر على شهادة الماستر في علم النفس أو علوم الأعصاب، واستيفاء متطلبات التكوين النظري والتطبيقي المحددة بنص تنظيمي، واجتياز تدريب ميداني تحت إشراف معتمد عند الاقتضاء، مع تحديد شروط تقييم الملفات الأكاديمية ذات المسارات البينية وكيفيات البت فيها بنص تنظيمي.

وجاء في المادة 11 أنه يتعين على كل أخصائي نفسي مزاول التوفر على تأمين يغطي مسؤوليته المدنية المهنية، بما يضمن تأطير المسؤولية المرتبطة بالممارسة وحماية مختلف الأطراف المتدخلة.

كما أقرت المادة 12، استثناء من بعض مقتضيات الأنظمة الأساسية للوظيفة العمومية، بالسماح للأساتذة الباحثين المتخصصين في علم النفس العاملين بمؤسسات التعليم العالي بمزاولة المهنة بصفة جزئية في القطاع الخاص في حدود نصف يومين في الأسبوع، شريطة الالتزام بأحكام القانون، والتسجيل في السجل الوطني للهيئة، والحصول على ترخيص مزاولة ساري المفعول، وعدم الإخلال بالواجبات الجامعية أو تعارض المصالح، مع إحالة تحديد كيفيات التصريح بالمزاولة الجزئية ومراقبتها إلى نص تنظيمي.

وجاء في الباب الثالث المتعلق بقواعد الممارسة وأخلاقياتها أن مصلحة المستفيد وحماية صحته النفسية وكرامته تُعد مبدأً أساسياً في ممارسة مهنة الأخصائي النفسي.

كما ألزم هذا الباب الأخصائي النفسي بعدد من القواعد، من بينها عدم التمييز أيا كان سببه أو نوعه، وحماية حقوق المستفيد ومصالحه المادية والمعنوية، والحفاظ على السر المهني واحترام خصوصية المستفيد وسرية المعلومات والوثائق المتعلقة به أثناء تقديم الخدمة أو بعدها، إضافة إلى السهر على سلامته الجسدية والنفسية، والحصول على إذن كتابي مسبق من ولي أمر المستفيد إذا كان قاصرا أو في وضعية إعاقة ذهنية، مع التحلي بالمسؤولية والأمانة والحياد، والامتناع عن أي استغلال مادي أو معنوي للعلاقة المهنية، والتقيد بالمعايير العلمية المعترف بها. وإحالة المستفيد عند الاقتضاء إلى مختصين آخرين.

وأشارت المادة 15 إلى أن الهيئة المهنية تضع مدونة لأخلاقيات المهنة تكون ملزمة قانونا، ويعد خرقها خطأ مهنيا يعرض مرتكبه للمساءلة التأديبية.

فيما نصّ الباب الرابع من مقترح القانون على إحداث هيئة مهنية تحمل اسم "الهيئة الوطنية للأخصائيين النفسيين"، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، وتضطلع بمهمة تنظيم المهنة والسهر على احترام قواعدها.

كما أسند إلى هذه الهيئة عدد من الاختصاصات، من بينها مسك السجل الوطني، ومنح وتجديد وتعليق وسحب تراخيص المزاولة، وإعداد مدونة أخلاقيات المهنة، ومراقبة احترام النصوص المنظمة، وتلقي الشكايات والبت فيها، وتنظيم التكوين المستمر، إضافة إلى تمثيل المهنة لدى السلطات العمومية. وتتكون الهيئة من مجلس وطني ومجالس جهوية ولجنة أخلاقيات ولجنة تأديبية، إلى جانب لجان علمية وتقنية عند الاقتضاء، مع تحديد كيفية انتخاب أجهزتها وتنظيمها وقواعد سيرها بنص تنظيمي.

وبخصوص المخالفات والعقوبات، نص الباب الخامس على معاقبة كل من زاول مهنة الأخصائي النفسي دون أن يكون مقيدا في السجل الوطني أو دون الحصول على الترخيص المنصوص عليه في هذا القانون، أو استعمل لقب "أخصائي نفسي" أو صفة توحي بذلك دون استيفاء الشروط القانونية، بغرامة تتراوح بين 20.000 و100.000 درهم، مع مضاعفة العقوبة في حالة العود.

كما أضاف أن هذه الأفعال، إذا اقترنت بأعمال احتيالية أو ترتب عنها ضرر جسيم بالمستفيد، تطبق بشأنها العقوبات الأشد المنصوص عليها في القانون الجنائي.

ودون الإخلال بالعقوبات الجنائية، نصت المادة 20 على أنه يمكن للجنة التأديبية إصدار إحدى العقوبات التالية في حق المخالفين: الإنذار، أو التوبيخ، أو التوقيف المؤقت لمدة لا تتجاوز سنة، أو التشطيب النهائي من السجل الوطني.

كما أكدت المادة 21 أن المسطرة التأديبية تضمن حقوق الدفاع والاستماع إلى المعني بالأمر وتعليل القرار، مع إمكانية الطعن فيه أمام القضاء الإداري. ونصت المادة 22 على أنه يسحب الترخيص بصفة نهائية في حالة صدور حكم قضائي نهائي من أجل جناية أو جنحة ارتكبت أثناء مزاولة المهنة أو بسببها.

كما جاء في الباب السادس المتعلق بالأحكام الانتقالية والختامية، وتحديدا المادة 23، أنه يمكن بصفة انتقالية ولمدة لا تتجاوز أربع سنوات من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ، تسوية وضعية الأشخاص المزاولين للمهنة قبل صدوره، وفق شروط تُحدد بنص تنظيمي، مع إمكانية اشتراط تكوين تكميلي.

ونصت المادة 24 على أن هذا القانون يدخل حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشر النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيقه بالجريدة الرسمية.