مدير شبكة خبراء المياه: التعافي الحقيقي يحتاج مواسم مطرية متتالية لتعويض العجز المتراكم (حوار)

خديجة قدوري

شهدت الموارد المائية بعدد من السدود بالمملكة ارتفاعا مهما خلال الـ 24 ساعة الماضية، حيث تم تسجيل واردات مائية متفاوتة انعكست إيجابا على نسب الملء بعدد من المنشآت المائية. وفقا لما جاء في موقع "الماديالنا".

وكشف المصدر ذاته أنه بإقليم تاونات، سجل سد الوحدة أعلى ارتفاع في الواردات المائية، بلغ 23 مليون متر مكعب، لترتفع نسبة الملء به إلى 45,9%، مما يعزز المخزون المائي بهذا السد الحيوي.

وبعمالة الرباط، عرف سد سيدي محمد بن عبد الله ارتفاعا مهما في موارده المائية قدره 20,2 مليون متر مكعب، لتصل نسبة الملء إلى 86,9%، وهو ما يعكس وضعية مائية جيدة.

وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع مدير شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، الذي أكد أن هذه النسب يجب قراءتها في مقابل التراجع الحاد في الحدود الاستراتيجية، ما يؤكد أن التحسن المسجل يبقى ظرفيا وجزئيا ولا يعكس بداية تعاف هيكلي.

رغم التحسن النسبي في نسب ملء بعض سدود حوض سبو، كيف يمكن تقييم هذا المعطى في سياق توالي سنوات الجفاف، وهل يعكس فعلا بداية تعاف مائي أم مجرد تحسن ظرفي؟

بالرغم من أن نسبة الملء الإجمالية لحوض سبو (42.8 بالمائة بحجم يقارب 2.38 مليار متر مكعب) تعتبر مُشجعة مقارنة ببعض الأحواض الأخرى، إلا أن تقييمها يجب أن يتم ضمن السياق الأوسع للتغير المناخي وسنوات الجفاف المتتالية.

الأرقام تُظهر أن أربعة سدود فقط من أصل أحد عشر (بوهودة، علال الفاسي، سد المنع، باب لوطة) تحقق نسب ملء عالية (بين 69% و100%)، بينما السدود الأخرى لا تزال في مستويات متوسطة إلى منخفضة. هذا يدل على أن التحسن مرهون بالتوزيع الجغرافي غير المتكافئ للأمطار داخل الحوض نفسه.

يجب قراءة هذه النسب مقابل التراجع الحاد في السدود الوطنية الاستراتيجية، خاصة سدود مثل المسيرة (3 بالمائة) والعديد من سدود أم الربيع (8.8 بالمائة)، وفي ظل فقدان سد الوحدة (داخل حوض سبو نفسه) لـ 15.3 مليون متر مكعب رغم هطول الأمطار. هذا التناقض (خسارة في سد استراتيجي مقابل مكاسب في سدود أخرى) يؤكد الطابع الظرفي والجزئي للتحسن، وليس بالضرورة بداية تعافٍ هيكلي.

التعافي الحقيقي يحتاج إلى مواسم مطرية متتالية وفيرة لتعويض العجز المتراكم على مدى سنوات، وإلى هطولات تغذي السدود الكبرى (كالوحدة) بشكل كاف، وهو ما لم يحدث بعد بشكل كلي. باختصار، التحسن إيجابي ويعطي هامش تنفس، لكنه يظل تحسناً موسمياً في إطار نزعة جفاف مناخية هيكلية. لا يمكن الحديث عن تعافٍ مائي شامل مع استمرار مؤشرات الإجهاد المائي في معظم الأحواض الوطنية.

إلى أي حد يظل حوض سبو قادرا على تأمين حاجيات السقي والماء الشروب في حال استمرار الجفاف، خاصة مع التفاوت الكبير في نسب ملء السدود داخل الحوض نفسه؟

قدرة حوض سبو على الصمود لا تزال الأكبر وطنياً، لكنها تواجه تحديات جسيمة، على اعتبار أن الحوض يضم حوالي 30% من الموارد المائية الوطنية، وهو ما يمنحه مرونة نسبية. المشاريع الكبرى مثل مشروع ربط سد سبو بسد سيدي محمد بن عبد الله (باستثمار يقارب 570 مليون دولار) تهدف بالضبط إلى نقل فائض المياه من السدود الممتلئة نسبياً (في منطقة الريف) نحو تلبية حاجيات الماء الشروب للدار البيضاء والرباط وسقي مناطق مثل دكالة والحوز، مما يُحَسِّن من كفاءة التوزيع الداخلي.

كما أن التفاوت الكبير في نسب الملء (من 100% إلى أقل من 20% في بعض السدود) يعني أن بعض المناطق داخل الحوض نفسه قد تواجه شحاً حتى لو كان المؤشر العام مقبولاً. هذا يتطلب إدارة دقيقة جداً للنقل الداخلي للمياه بين السدود الفرعية وربط الشبكات.

الحوض يتحمل ضغطاً هائلاً لتلبية حاجيات الفلاحة حيث يُعد سلة غذائية رئيسية، والصناعة: بوجود قطاعات صناعية كبرى، والمدينة عبر مشاريع النقل الكبرى، وفي ظل الجفاف المستمر، قد تصبح الأولوية للماء الشروب على حساب مياه السقي، مما يفاقم تحديات القطاعين الفلاحي والاجتماعي في المنطقة.

وبالتالي، فإن الحوض لا يزال قادراً على لعب دوره كصمام أمان وطني، ولكن قدرته مشروطة بتعزيز الربط البيني بين سدوده وتعظيم كفاءة استخدام المياه في الزراعة، وتنفيذ مشاريع النقل المخطط لها بكفاءة، وأيضاً بتقاسم العبء مع الحلول الوطنية الأخرى مثل تحلية مياه البحر التي تستهدف كما تعلمون توفير 50% من حاجيات الشرب بحلول 2030.

ما الإجراءات الاستعجالية والمتوسطة المدى التي ينبغي اعتمادها في حوض سبو للتخفيف من آثار الجفاف في ظل التراجع العام لمخزون السدود وطنيا؟

بناء على معطيات الخطة الوطنية للماء والمشاريع الجاري تنفيذها، يمكن اقتراح حزمة إجراءات متدرجة، أولاً: إجراءات استعجالية (قصيرة المدى)، من خلال تطبيق نظام حصص صارم للتوزيع بين الزراعة والشرب بناء على المخزون الفعلي لكل سد، وليس المعدل العام للحوض، وتفعيل شبكات نقل المياه داخل الحوض لنقل الفائض من السدود الممتلئة (مثل بوهودة وعلال الفاسي) نحو المناطق التي تعتمد على سدود أكثر جفافاً، واستهداف المزارعين في الحوض لتشجيع الانتقال إلى الري الموضعي بالتقطير، والحد من زراعة المحاصيل الشديدة الاستهلاك للمياه في هذه السنة بالذات.

وثانيا، إجراءات متوسطة ومتطورة المدى، من خلال تكثيف مشاريع النقل المائي الاستراتيجية: الإسراع في إنجاز مشروع نقل مياه سبو نحو أحواض أخرى متعطشة، مع تعزيز الربط مع سد سيدي محمد بن عبد الله. هذا يحول الحوض من مخزن محلي للمياه إلى شريان حي في الشبكة الوطنية للمياه. والاستثمار في الحلول غير التقليدية: رغم أن الحوض غني بالمياه السطحية، يجب البدء في دراسة تحديث وتوسيع محطات معالجة المياه العادمة لاستخدامها في سقي المساحات الخضراء والصناعة، والتخطيط لمحطات تحلية محلية إذا كانت هناك تجمعات ساحلية تعاني من ملوحة المياه الجوفية.

والمعالجة المتكاملة للحوض عبرمكافحة التلوث الصناعي والزراعي (النترات والأملاح) الذي يقلل من جودة المخزون المتاح، وحماية المناطق المشجرة للحفاظ على الفرشة المائية، والتحول الزراعي المدعوم من خلال تنفيذ برامج دعم مالي وتقني عاجلة وطموحة لتحويل الزراعة في الحوض نحو نُظم زراعية متكاملة قليلة الاستهلاك للمياه ومرنة مع التغيرات المناخية (Agriculture Résiliente)، وهو استثمار في أمن الحوض المائي نفسه.

ختاما، فإن حوض سبو هو أهم قلعة مائية وطنية. وإنقاذه من آثار الجفاف المستمر لن يتأتى فقط بحسن إدارته داخلياً، بل بجعله ركيزة أساسية في النظام الوطني للتضامن المائي بين الجهات، مدعوماً بسياسة فلاحية جديدة واعتماد لا رجعة فيه على التكنولوجيا في التسيير والتحلية وإعادة الاستعمال. التحسن الحالي هو فرصة لتعزيز هذه الإجراءات، وليس مؤشراً للتراخي.