مشروع الربط الكهربائي المغربي البريطاني "Xlinks" مازال ينتظر حسم لندن قرارها

بشرى الردادي

في لحظة فارقة من تحولات الطاقة العالمية، يتعرض أحد أضخم مشاريع الربط الكهربائي في العالم لاختبار حاسم في قلب النظام التنظيمي البريطاني. مشروع "Xlinks"، الذي يربط بين مصادر الطاقة المتجددة في جنوب المغرب وشبكة الكهرباء البريطانية، لا يُجسّد فقط طموحا بيئيا غير مسبوق، بل يعبر أيضا عن تقاطع المصالح بين الأمن الطاقي الأوروبي، والهيمنة على مسارات الطاقة النظيفة، والقدرة على تكييف الأطر القانونية مع تحديات المناخ.

وفي هذا السياق، أبلغت هيئة التخطيط العمراني البريطانية (Planning Inspectorate) شركة "Xlinks" أن الاجتماع التمهيدي لبدء مرحلة الفحص الرسمية لا يمكن تأجيله إلى ما بعد نهاية يوليوز 2025، رافضة بذلك طلب الشركة تعليق الإجراءات مؤقتا حتى الحصول على ضمانات اقتصادية طويلة الأجل.

مشروع استراتيجي في قلب تحولات الطاقة الأوروبية

ويُعد مشروع "Xlinks" من أكبر مشاريع الطاقة المتجددة العابرة للحدود في العالم؛ إذ يهدف إلى مد أربعة كابلات كهربائية بحرية عالية الجهد (HVDC) بقدرة إجمالية تصل إلى 3.6 غيغاواط، لربط مزارع شمسية وريحية في جنوب المغرب بشبكة الكهرباء البريطانية عبر مسار يبلغ طوله حوالي 3800 كيلومتر، ويمر عبر المياه الإقليمية لكل من البرتغال وفرنسا.

ويأتي المشروع في سياق بحث أوروبا عن بدائل استراتيجية للطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وتزايد الاعتماد على مصادر متجددة منخفضة الانبعاثات. ووفق ما أعلنته الشركة، فإن الكهرباء التي سينقلها المشروع قد تُغطّي نحو 8 في المائة من احتياجات بريطانيا؛ مما يجعله ركيزة ضمن جهود المملكة للوصول إلى الحياد الكربوني.

مهلة توشك على النفاد

ووفقا للرسالة الرسمية الصادرة عن الهيئة بتاريخ 20 يونيو 2025، بلغ طول المرحلة التمهيدية (Pre-examination) سبعة أشهر كاملة منذ قبول الطلب في 19 دجنبر 2024، وهو ما يتجاوز الإطار الزمني المعتمد الذي لا يتعدى عادة خمسة أشهر.

وأكدت الهيئة أن "أي تمديد إضافي لم يعد معقولا"، مشيرة إلى أن البديل الوحيد أمام الشركة، في حال تعذّر التقدم، هو سحب الطلب وإعادة تقديمه لاحقا.

وجاءت الرسالة ردا على خطاب أرسلته "Xlinks" في 12 يونيو الجاري، تشرح فيه أن الأسباب التي دفعتها لطلب التأجيل لا تزال قائمة، وعلى رأسها غياب رد رسمي بشأن طلبها التعاقد على سعر بيع كهرباء ثابت وطويل الأجل (Contract for Difference) يُقدّر بحوالي 70 جنيها إسترلينيا لكل ميغاواط ساعة، مرتبطا بمعدل التضخم. وتعتبر الشركة أن الحصول على هذا العقد من شأنه تسهيل وتعجيل مسار الفحص.

اجتماع يوليوز.. الفرصة الأخيرة

وفي ظل هذا الضغط الزمني المتراكم، تُراهن الهيئة على عقد الاجتماع التمهيدي في منتصف أو أواخر يوليوز 2025 كحد أقصى، تمهيدا للدخول في مرحلة الفحص الرسمية، التي تمتد عادة لتسعة أشهر وتنتهي بإعداد تقرير مفصل يُرفع إلى وزير الدولة البريطاني المسؤول عن منح رخصة التطوير (Development Consent Order – DCO).

وتُعد رخصة "DCO" وثيقة محورية تسمح ببدء الأشغال الإنشائية على الأراضي البريطانية، وتشمل كافة التصاريح البيئية، والمالية، والتقنية المرتبطة بالمشروع. وفي حال وافقت الشركة على الجدول الزمني الجديد، فقد تبدأ الأعمال في عام 2026، مع أمل بتشغيل المشروع بحلول عام 2031. أما إذا قررت الرفض أو التراجع، فقد يُعاد تقييم المشروع من حيث جدواه، أو يُعاد تقديمه بموقع وشروط مختلفة.

ما وراء التأجيل؟

ويرى بعض المراقبين أن طلب الشركة للتأجيل لا يعكس فقط غياب ضمان مالي من الدولة البريطانية، بل يُخفي أيضا توترات داخلية بين المؤسسة المالكة للمشروع وبعض الجهات التنظيمية حول مدى جاهزية المشروع فنيا لإقناع الرأي العام البريطاني بجدواه البيئي والاقتصادي.

ويُخشى من أن تؤدي هذه التوترات إلى تعطيل إضافي في حال لم يتم التوصل إلى توافق على مستوى العقد المالي والتنفيذي.

المعضلة التنظيمية البريطانية

ورغم أن المملكة المتحدة تُروّج عالميا كبيئة داعمة لمشاريع الطاقة المتجددة، إلا أن القواعد التنظيمية الصارمة المتعلقة بالبنية التحتية الوطنية الكبرى (NSIPs) كثيرا ما تُتهم بإبطاء التحول الطاقي. فالمشاريع تمر عبر مراحل معقدة: من القبول، ثم الفحص، إلى الاستشارة، وأخيرا القرار الوزاري.

وتواجه المشاريع العابرة للحدود؛ مثل "Xlinks"، تحديا مضاعفا؛ فهي تخضع لمعايير بيئية وأمنية أكثر تعقيدا، في وقت ما زالت الحكومة مترددة في دعم عقود "CfD" لمشاريع خارج الأراضي البريطانية، وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى توافق البيئة التنظيمية مع طموحات بريطانيا المناخية.

مشروع طموح بانتظار الوضوح البريطاني

ومن الجانب المغربي، يشكّل المشروع فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي للطاقة الخضراء. فهو يتكامل مع رؤية المغرب لتصدير الطاقة الشمسية والريحية نحو أوروبا، ويُعزّز من مكانة المملكة في سوق الهيدروجين الأخضر.

ويحظى المشروع بدعم سياسي وتقني من مؤسسات؛ مثل "MASEN" ووزارة الانتقال الطاقي، وقد جدّدت الحكومة المغربية في أكثر من مناسبة دعمها للمشروع باعتباره جزءا من رؤية 2030 للطاقة النظيفة. إلا أن استمرار الغموض في الطرف البريطاني قد يُربك الجدول الزمني للتنفيذ، ويؤثر على ثقة المستثمرين الدوليين في استقرار مسارات التصدير الطاقي من الجنوب إلى الشمال.

خيار الحسم أو التراجع

وإلى حدود الساعة، لم تُصدر شركة "Xlinks" أي بيان رسمي بشأن نيتها الالتزام بموعد يوليوز 2025، أو سحب الطلب مؤقتا لإعادة التقديم بعد حسم ملف العقد الحكومي. لكن المرجّح أن تسعى لاستكمال المستندات التنظيمية تفاديا لتعطيل مشروع يحظى بزخم دولي، واهتمام متزايد من الفاعلين في قطاع الطاقة المتجددة على المستويين الأوروبي والأفريقي.

ويرى مراقبون أن اتخاذ قرار سريع بالمضي قدما قد يمنح المشروع دفعة سياسية واقتصادية قوية، ويُجنّبه الدخول في دوامة تأجيلات جديدة قد تُفقده أولويته ضمن أجندة البنية التحتية البريطانية. في المقابل، فإن سحب الطلب وإعادة تقديمه لاحقا، رغم كونه خيارا قانونيا متاحا، قد يُضعف الثقة في جاهزية المشروع، ويفتح المجال أمام منافسين آخرين داخل السوق الأوروبية، خاصة في ظل التنافس الإقليمي على تصدير الكهرباء الخضراء.

في هذه اللحظة المفصلية، لم يعد القرار تقنيا أو ماليا فقط، بل أصبح اختبارا للإرادة السياسية للشركة والحكومتين معا، وقدرتهما على تجاوز العقبات التنظيمية لصالح مشروع يُجسّد مستقبل العلاقات الطاقية بين أوروبا وإفريقيا.