أسدل القضاء الستار على واحد من أكثر الملفات الإرهابية دلالة على تحولات التهديدات الأمنية في المنطقة، بعدما أصدرت الغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف بالرباط، يوم 7 يناير، أحكاما مشددة في حق أفراد خلية وُصفت بـ"أسود الخلافة"، التي جرى تفكيكها في فبراير 2025.
وبحسب ما أوردته مجلة Jeune Afrique، فقد أدين أعضاء الخلية بأحكام بلغ مجموعها 151 سنة سجنا، في محاكمة اعتُبرت مفصلية لأنها سمحت بتوثيق مشروع إرهابي "ُمحكم البنية" ومرتبط بتوجيهات خارجية مصدرها منطقة الساحل، ما يعكس طبيعة جديدة للتهديد الإرهابي تقوم على القيادة عن بعد، والتخطيط العابر للحدود، وتطوير أساليب الاستهداف.
أحكام ثقيلة وتفاصيل تُبرز خطورة المشروع
وقضت المحكمة في حق المتهم الرئيسي بـ23 سنة سجنا نافذا، فيما أدين متهمان آخران بـ18 سنة لكل واحد منهما، ضمن سلسلة أحكام طالت باقي المتابعين في هذا الملف، الذي حظي باهتمام لكونه يقدم صورة عن كيفية انتقال "التأثير الإرهابي" من بؤر التوتر في الساحل إلى دول شمال إفريقيا، عبر شبكات التواصل والتجنيد والتوجيه.
وتفيد معطيات الملف أن الخلية كانت تستهدف مواقع حساسة ومنشآت أمنية وأماكن عمومية داخل المغرب، ما يؤشر على رغبة في إحداث صدمة داخلية وخلق حالة من الفوضى، في سياق إقليمي يتسم بتنامي خطر التنظيمات المتطرفة وتوسع نفوذها في أجزاء من غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.
إرهاب "مُسيّر عن بعد".. التحول الأخطر
ويبرز هذا الملف، وفق قراءة المجلة الفرنسية، نمطا إرهابيا جديدا يقوم على "التوجيه الخارجي"، حيث لا يقتصر الخطر على الخلايا المحلية التي تتحرك بمعزل عن الخارج، بل يتجسد في شبكات تتلقى تعليمات أو إلهاما أو دعما لوجستيا وفكريا من مناطق غير مستقرة، خصوصًا في الساحل الذي بات خلال السنوات الأخيرة أحد أكبر بؤر تمدد التنظيمات المتشددة في العالم.
هذا "التسيير عن بعد" يجعل من تفكيك الخلايا أكثر تعقيدا، لأنه لا يعتمد فقط على تتبع عناصر داخلية، بل يتطلب أيضًا تعقب امتدادات الاتصالات والوسائط الرقمية، ورصد مسارات التأثر الأيديولوجي والتمويل المحتمل، مع ما يفرضه ذلك من تحديات أمنية وقانونية.
الساحل.. بؤرة تمدد ورافعة للتطرف
ولا يمكن فصل هذا الملف عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تعرف منطقة الساحل اضطرابات أمنية وسياسية متزايدة، وتنافسًا بين التنظيمات المسلحة، وتراجعًا في فعالية بعض الجهود الإقليمية المشتركة، ما جعلها أرضًا خصبة لتكاثر الجماعات المتطرفة وتوسيع عملياتها نحو دول الجوار.
وتؤكد تقارير دولية متعددة أن التنظيمات الناشطة في الساحل لم تعد تكتفي بتثبيت نفوذها في مناطق بعينها، بل أصبحت تبحث عن اختراقات جديدة عبر شبكات تهريب، أو تجنيد عن بعد، أو استهداف دول يُنظر إليها كـ“خصم أمني” بسبب تعاونها مع شركاء دوليين في مكافحة الإرهاب.
المغرب واستراتيجية الاستباق الأمني
ويعيد هذا الملف تسليط الضوء على المقاربة المغربية في محاربة الإرهاب، والتي تقوم على الاستباق والتتبع الاستخباراتي وتفكيك الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. وقد ظل المغرب، خلال السنوات الأخيرة، يعلن بشكل دوري عن تفكيك خلايا مرتبطة بتنظيمات متطرفة، بعضها يحمل طابعًا محليًا، وبعضها الآخر يرتبط بامتدادات خارجية أو بمحاولات استقطاب عبر الإنترنت.
ويُنظر إلى هذه الاستراتيجية باعتبارها أحد عناصر القوة في مواجهة خطر الإرهاب، خصوصا في ظل محيط إقليمي مضطرب وتنامي التهديدات في جنوب الصحراء، ما يجعل المغرب في تماس مباشر مع تداعيات التحولات الأمنية في الساحل.
التنوع في الأساليب.. مؤشر على "تطور" الخلايا
ومن أبرز ما تكشفه محاكمة "أسود الخلافة"، بحسب Jeune Afrique، أن المشروع الإرهابي لم يكن مجرد "فكرة عابرة"، بل كان مخططا منظما يقوم على هيكلة داخلية وتوزيع أدوار وتطوير طرق عمل، وهو ما يعكس انتقال بعض الخلايا من مرحلة “التأثر” إلى مرحلة "التخطيط العملياتي".
هذا التطور يضع الأجهزة الأمنية أمام تحديات جديدة، خاصة مع لجوء التنظيمات المتطرفة إلى أساليب متغيرة في الاستهداف، وتنوع في طرق التنفيذ، ومحاولات التمويه، إضافة إلى استغلال الفضاء الرقمي في التواصل والتحريض.
ملف قضائي يُنهي قضية.. ويكشف مرحلة
وبإصدار الأحكام، يكون القضاء المغربي قد أغلق رسميً ملفا قضائيا شائكا، لكنه في المقابل فتح النقاش حول مرحلة أمنية جديدة تتطلب يقظة دائمة، وتعاونا إقليميا أوسع، ورفع مستوى التنسيق لمواجهة شبكات عابرة للحدود.
فمحاكمة "أسود الخلافة" ليست مجرد قضية جنائية، بل مرآة لتحولات التهديد الإرهابي في المنطقة، حيث لم يعد الخطر مرتبطًا فقط بخلايا محلية معزولة، بل بتقاطعات أمنية تمتد من الساحل إلى شمال إفريقيا، وتتغذى من هشاشة الجوار الإقليمي، وتستثمر في الفوضى والفراغات الأمنية.