احتضنت الرباط حدثا علميا وازنا أعاد سوسيولوجيا الرياضة إلى صدارة النقاش الأكاديمي، من خلال ندوة دولية شكلت فضاء استراتيجيا لتفكيك تحولات الظاهرة الرياضية ورهاناتها المجتمعية، في لحظة تؤكد سعي المغرب إلى ترسيخ هذا الحقل كرافعة للفهم والتحليل وصياغة السياسات الرياضية.
وانعقدت هذه الندوة يوم 20 أبريل 2026 بمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، بمبادرة من الجمعية المغربية لسوسيولوجيا الرياضة، وبشراكة مع معهد علوم الرياضة بسطات ومركز آفاق للدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والمركز الثقافي إكليل، وعرفت حضور نخبة نوعية من الباحثين والخبراء والفاعلين.
وتميز هذا الموعد العلمي بغنى المداخلات وتنوعها، إذ انصبت النقاشات على قضايا الهوية والتعبير الثقافي من خلال الرياضة، وتحولات الجماعات الرياضية، وأدوار الجماهير، إضافة إلى البعد الرمزي للممارسة الرياضية في تشكيل الانتماءات الفردية والجماعية داخل مجتمعات متعددة.
كما سلطت الأشغال الضوء على التحديات المرتبطة بالحكامة الرياضية والتنشئة الاجتماعية، مع التركيز على الدور المتنامي للرياضة في إدماج الشباب وتعزيز التماسك الاجتماعي، إلى جانب طرح إشكالات التربية البدنية والتمثلات الاجتماعية للممارسة الرياضية، خاصة لدى الفئات الهشة.
ولم تقتصر أهمية هذا الحدث على تبادل الرؤى العلمية، بل شكل خطوة مفصلية نحو مأسسة سوسيولوجيا الرياضة بالمغرب، من خلال التوجه لإحداث لجنة علمية متخصصة، قادرة على تأطير البحث وتوجيهه، بما يعزز إشعاع هذا التخصص ويمنحه موقعاً محورياً في فهم العلاقة المتشابكة بين الرياضة والمجتمع.
وفي هذا الصدد، قال الأستاذ الجامعي رشيد الجرموني، في تصريح لموقع "تيلكيل عربي"، إن ندوة المجتمع والرياضة تعد بمثابة حدث مفصلي في تاريخ السوسيولوجيا المغربية، إذ إن حقل الرياضة لم يعرف اهتماما سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا طيلة العقود السابقة، ولهذا فإن ميلاد جمعية علمية تعنى بهذا الموضوع، يعد مرحلة تأسيسية في سبيل خلق جماعة علمية في هذا التخصص.
وأضاف أنه رغم أن مفهوم الجماعة العلمية يطرح الكثير من الإشكالات الابستمولوجية، لكن بالتعمق في العديد من التخصصات في السوسيولوجيا نجد وجودا لتراكم في سوسيولوجيا التدين والدولة والقيم والمدينة والحركات الاجتماعية والانتخابات والتربية والمجتمع المدني والمرأة والشباب، والعديد من الثيمات التي اشتغلت عليها الأجيال المتلاحقة من الباحثين السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين، بيد أن الرياضة كحقل علمي لا يزال البحث فيه محتشما إن لم نقل منعدما.
وتابع الجرموني: لهذا كان ميلاد هذه الجمعية الفتية مرحلة تأسيسية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
عرفت أشغال الندوة الدولية، التي توجت بإصدار المؤلف الجماعي "الرياضة والمجتمع"، العديد من المداخلات التي زاوجت بين ما هو نظري وما هو إمبريقي (بحوث ميدانية) سلطت الضوء على كون الرياضة تعد فعلا اجتماعيا، بحيث إنها الحقل الذي تتقاطع فيه كل الحقول وكل الدوائر، فالرياضة ليست لعبا وتسلية فقط بل هي بناء اجتماعي يعبر عن هويات الأفراد والجماعات وينتج ويعيد إنتاج قيم ومسلكيات ورؤى ومفاهيم للعالم وللذات وللآخر.