نص سوداوي جدا...

هادي معزوز

وصية للقارئ قبل البدء: لا تقرأ فيما وراء السطور، لأن النصوص السوداوية لا تقبل الإخفاء بل الظهور بوجهها الطبيعي مهما كان أثره سيئا على المتلقي.

 

...حينما عايدت المريض في بيته بدعوة من ابنه وابنته، وجدته جسدا شاحبا يجمع بين الإنهاك والحسرة، يعاني من ارتعاش خفيف على مستوى أصابع يده اليمنى، والتي يعلو سبابتها ووسطها اصفرار جاثم جراء التدخين المتواصل، منتبها في الآن نفسه إلى بقايا بقع نبيذ قديمة بمعطفه البالي. لكن رغم قتامة هذه الصورة الأولية التي يمكن أن ينالها من أي شخص يرمقه للوهلة الأولى، إلا أنه يحمل سحرا خاصا يكاد يخفي ملامحه وشكل مظهره. ولما اختلينا بطلب مني، وجدته يكلمني مسترسلابكل هدوء، واثقا من نفسه وبدون مقدمات كأنه يعرفني منذ زمن، وإن كان يجد في الأحيان صعوبة في الكلام بسبب كحة تفاجئه على حين غرة:

ـ كنت أمّر كل يوم تقريبا على متن دراجتي النارية، قاطعا المسافة الطويلة من مدينتي الصغيرة إلى المدينة الكبيرة، إما من أجل إمداد القيادة بالتقارير، أو بمقالات الرفاق بُغية نشرها في جريدة الحزب، كنت أسير لوحديبالنهار أو بالليل إن استدعى الأمر ذلك، وكانت الأراضي الفلاحية التي يخترقها الطريق الإسمنتي الضيق الذي يتلوى كثعبان لحظة شعوره بالخطر، تحُفُّني من كل الجوانب، تكاد تبتلعني كي تلفظني جثة هامدة، وهي التي شهدت على تفاصيل كثيرة لخصت منذ زمن صراع الإنسان مع التراب وإن كان أصله أيضا ترابا. قصة تلخص حقا صراع هذا الكائن مع نفسه سواء في أحلك الظروف أو في أحسنها.. لا أعرف لماذا كنت أومن بأن كل هذه الأراضي ستصبح عاجلا أو آجلاملكية مشتركة، تجسد نسخة مطابقة الأصلللسوفخوزاتالروسية.. صمت مُطبق على المكان الذي لا بشر فيه سواي، وأفق ممتد بأراضيه الخصبة التي استولى عليها الأعيان والإقطاعيون بعدما منحها المستعمر لهم جراء إخلاصهم له، وتفانيهم في خدمته زمن الحماية. كان المطر الغزير بسمائه الغائمة وظلامه الدامس حتى في وضح النهار، يذكرني بقسوة الطبيعة، لكنه يزداد قساوة حينما يتسرب إلى ملابسي، وإن كنت شديد الحرص في نفس الآن على ألا يبلل التقارير والمنشورات السرية ومقالات الرفاق. أما الشمس الساطعة الحارّة صيفا، فيكفي أن يمشي تحتها شخص ما، حتى يصاب بضربة منها لا تبقي ولا تذر.. أصِلُ إلى مقر الحزب منهكا، أضع التقارير والمقالات، ثم أعود بسرعة من حيث أتيت متظاهرا بأني على ما يرام،
وذلك حفاظا على روح المجموعة وإيمانا بالقضية، فالمناضل لا يجب أن يبوح بضعفه مهما كان ضعيفا...

تناول سيجارة وكأسا من النبيذ، نظر إلى الأسفل، حافظ على صمته لمدة طويلة، وحافظ أيضا على إيقاع يديه التي تنتقل بانتظام من السيجارة إلى الكأس عبر فمه. وبهدوء مثير وعينين تخفي شيئا ما دون الإفصاح عنه، سيخاطبني بصوت أكثر خفوتا ممزوجا بشيء من الحسرة:

ـ سيحدث منعطف مؤثر في حياتي، إذ تزامن انهيار حائط برلين ثم الاتحاد السوفييتي، مع إحالتي على التقاعد. دخلت في دوامة من الريبة، ثم قررت أن أحتسي قنينة نبيذ كل ليلة إلى أن أُهلك وألقى حتفي، وهاأنذا على حالي منذ ذلك الزمن دون أن يتحقق مرادي. لا أزيل عني معطفي الطويل الذي يذكرني بأعضاء اللجنة المركزية التابعة للحزب البلشفي، يذكرني بالمؤتمرات والليالي الطويلة، يذكرني بالمظاهرات والاجتماعات والجلسات الحميمية، يذكرني بالانتظار الذي لا يتقن سوى الانتظار. لا أتخيل نفسي بدون هذه القبعة التي عاشت معي ما كان يجب أن تعيشه، ولو كانت تملك القدرة على الكلام لاستفاضت فيما عاشته وما رأته من سقوط وصعود متكرر.

... ثم أخذنا الكلام طويلا، حدثني فيه عن انتهازية رفاقه الذين فضلوا الكراسي والمناصب بما كانوا يؤمنون به قبلئذ.. دون أن ينسى تأثره الكبير بكل ما يمت للروسية بصلة، خاصة كتبماكسيم غوركي وأيتماتوف، وبوشكين الذي كان يحفظ شيئا من شعره بلفته الأم..

ثم استمر الحال بنا مثلما أُريد له أن يكون، ولما أنهيت معاينتي له، لحق بي ابنه وابنته وقالا لي: هل تعلم أن والدنا يقضي نهاره على تلك الشاكلة، يقرأ كتب دار التقدم ودار الطليعة ودار موسكو، يعيد التهام مؤلفات ماركس وإنجلز ولينينوتروتسكيوبليخانوفوألكسندرا كلونطاي، وتقارير الحزب البلشفي منذ ثورة شتنبر إلى اليوم، ثم يقول لنا أنه سيقف عند الأخطاء التي بسببها انهار الاتحاد السوفييتي، كي يبعثه من جديد.

ساد صمت كنا نراجعُ فيه حوارنا، لتقطعه ابنته عندما سألتني وعلامات الحزن لا تفارقها:

ــ ما العمل دكتور؟

أجبتها ببرودة دم لا أعرف كيف انفلتت من لاشعوري:

ـ من الأفضل أن تَدَعوه على حالته هذه إلى النهاية، لقد وقع له خلط زمني يؤثر على نظرته للواقع، يحمله من حالة إلى أخرى، لكن داخل إطار زمني ومكاني وحيد. إنه يعاني من متلازمة الاهتزاز الزمني، إذ يتقدم الماضي دون يبقى خلفه، بعدما انتهى أمر الحاضر حينما فقد يقينه. أما المستقبل فإنه يفتح نفسه لضمان عودة الماضي، كاشفا أن الأشياء لا تموت، بقدر ما تُغيّرُ أسلوبها فقط، وأن ما يُعتقد زوالا ليس في نهاية المطاف سوى تجددا للاستمرار، للأسف فقد أضحت الحقيقة بالنسبة إليه دورات متتابعة موتها يحمل في داخله بذرة قيامة، واختفاؤها يخفي بين تضاعيفه وعد عودة.. هي حالةنادرة تصيب أصحاب هذه المتلازمة، خاصة وأن الأشياء التي تعود، لا تعود لأن صاحبها استدعاها بملإ إرادته وحريته، ولكنها كانت تنتظر الفرصة السانحة لتظهر من جديد خاصة وأن لها القدرة على تذكر ما قد ننساه.

كانوا ينظرون إلي بعيون منكسرة، على غرار أهل جل المرضى الذين عاينتهم. لكن ولكي أحافظ على صرامتي الطبية، فقد أضفت للجو الحزين روحا جنائزية قاتمة حينما أردفت قائلا:

ــ من الأفضل أن ينتهي أمره على ما هو عليه الآن، لأنه أصبح يعيش في زمن غير زمنه، وإلا فستتفاقم حالته النفسية، ومن يدري فقد يُصاب بالبارانويا إن حاولتم إعادته إلى حاضره. أعلم أنكلامي قاس، لكنه وككل الحقائق، قد يصعب تقبله وتقبل قسوته...

لما كنت عائدا إلى المدينة الكبيرة حيث العيادة، مررت بتلك الأراضي الشاسعة التي حدثني عنها، وانعطفت على طريقها الأفعواني داخل سيارتي، فانتبهت إلى ما يحمل الفضاء من رمزية دون أن تتمكن أراضيه الخصبة من التسجيل في خانة السوفخوزات.. تخيلته أمامي ذات زمن بعيد بدراجته النارية المهترئة، بمعطفه الطويل، وبالطين العالق بحذائه، وبالأوراق التي كان يحميها أكثر من حمايته لصحته، بينما أحاول أنا الآخر حماية تقارير المرضى والمقالات العلمية المنشورة في كبريات المجلات النفسية..! ألفيتني أمر بجانبهحيث التقت عيوننا برهة، ثم تجاوزته وأنا أتلصص عبر المرآة في تلك التقاسيم التي تحمل مزيجا من الإصرار والخذلان والحسرة. نظرات لا تتكلم وإنما تهمس بأنه ثمة أهداف نعلم علم اليقين اننا لن نبلغها يوما، لكننا نعمل على إدراكها رغم كل شيء.

هي لحظة خلتها تتكرر لكن في زمن آخر، زمن لا يخصه وربما لا يخصني أنا أيضا.. عندها لم أنتبه إلا وأنا أتساءل قائلا: هل تغيرت الطريق أم تغيرت أنا؟!

ـ انتهت ـ