ليلة السبت الماضي، بعد إنهائنا مهمة تغطية مباراة المنتخب الوطني المغربي والبرازيل، وجدنا أنفسنا وسط أعمال شغب كنا نتابعها عبر التلفاز فقط، لكن هذه المرة عشناها، بل كدنا نكون جزءا من ضحاياها، لولا قرار اتخذ في لمح البصر، حين اخترنا النزول من حافلة البعثة الإعلامية المغربية، والتوجه سيرا نحو الفندق.
قرار النزول كان مغامرة، لأننا كنا بعيدين جدا عن مقر الإقامة، لكن البقاء داخلها يمكن أن يتحول إلى انتحار جماعي، هؤلاء الفرحون بفوز ناديهم بالبطولة الوطنية لكرة السلة الأمريكية، يعشقون استهداف الحافلات، اعتلاء أسطحها، تكسير زجاج نوافذها، بل إحراقها بتلذذ أمام عدسات الكاميرات، كما أظهرت عشرات من مقاطع الفيديو صباح اليوم الموالي.
"فوز (نيويورك نيكس) بدوري (NBA) جاء بعد 53 عاما على آخر لقب لهم في تاريخهم، هم الآن لا يقومون بأعمال شغب، هذا مجرد فرح عارم"، يقول أحد المغاربة المقيمين هنا وهو يوثق بهاتفه استعداد مجموعة من الشباب لإحراق حافلة نقل مدرسي صفراء.
نزلنا من الحافلة. بسبب الفوضى العارمة، لم يعد من الممكن تحرك مجموعة واحدة نحو الفندق، منا من ضلوا طريقهم، بعد أن وجدن ووجدوا أنفسهم محاصرين داخل أحياء أغلقت بالكامل، من واجهن وواجهوا هذا المصير، يحكون بعد تحريرهم من "الاحتجاز" عن وقوع حالات إغماء واختناق طالت العشرات.
كنت رفقة زميلتين نقطع الأمتار بصعوبة بالغة وسط حشود فرحة وغاضبة في الوقت ذاته. خليط غريب ورهيب. عشت عشرات أحداث الشغب في المغرب، قبل، خلال، أو بعد مباريات كرة القدم، لكن ما عشته هنا تلك الليلة مختلف جدا، ولأنني خبرت المدرجات وأجواء التشجيع لسنوات، استطعت التمييز بين أصوات المفرقعات والألعاب النارية وصوت الرصاص وقنابل الغاز.
وسط تلك الحشود، تسمع الأصوات فقط، لن تستطيع معرفة مصدر الخطر، خطوة واحدة خاطئة نحو اليسار أو اليمين، يمكن أن تقودك حيث التخريب هواية عند المئات، هنا، الخطر يحمل علامة "MAD IN AMERICA".
وصلنا إلى الفندق بسلام على دفعات، فيما بقي عدد منا محاصرين داخل الأحياء المغلقة، احتاجوا ساعات قبل تنفس هواء الحرية.
انتهت القصة بالنسبة إلينا بسلام، لكن على نيويورك لم تكن كذلك... صباح اليوم الموالي، أول ما فعلته بعد استيقاظي من النوم، البحث عن تقارير إخبارية تناولت ما وقع تلك الليلة... كلها تُجمع على أن المدينة بكل أحيائها تحولت فيها لحظة الفرح إلى قطعة من الجحيم.