مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تبرز احتجاجات "جيل Z" كعنصر يعيد طرح النقاش حول علاقة الشباب بالممارسة السياسية، إذ يظهرون حضورا فاعلا في المشهد السياسي، مع بقائهم بعيدين عن المشاركة الفعلية في صناديق الاقتراع، فهل يمكن أن تُسهم هذه الاحتجاجات على الصحة والتعليم ومحاربة الفساد في رفع مستوى المشاركة الانتخابية، أم أن الفجوة بين الشباب والمؤسسات السياسية تتسع بشكل أكبر؟
أوضح سمير الباز، الباحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي، أن "المغرب يشهد تحولا لافتا في طبيعة الوعي والممارسة السياسية لدى الشباب المنتمي إلى ما يعرف بـ"جيل Z"، جيل ولد في حضن الثورة الرقمية، ويعبر عن مواقفه من خلال الفضاءات الافتراضية أكثر مما يفعل داخل الأطر التنظيمية التقليدية".
وأضاف في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن "هذا الجيل فقد ثقته في الأحزاب والنقابات، التي لم تعد بالنسبة إليه قنوات فعالة للتأطير أو للدفاع عن مصالحه، وهو ما يعكس أزمة وساطة حقيقية تتجاوز حدود العمل الحزبي لتلامس بنية الثقة في المؤسسات برمتها".
وأبرز أن "هذه الملاحظات تؤكد ما توصلت إليه في بحثي الميداني المعنون بـ "من الأحزاب الجماهيرية إلى الأحزاب الانتخابية: تراجع الظاهرة الحزبية بالمغرب"، الذي أبرز أن الأحزاب السياسية تحولت تدريجيا من تنظيمات جماهيرية مؤطرة إيديولوجيا إلى أدوات انتخابية ظرفية، تركز على الاستحقاقات أكثر من البناء المجتمعي، مما أفقدها دورها الحيوي في إنتاج المعنى السياسي وتأطير المواطن".
وذكر أن "جيل Z لا يقاطع السياسة، بل يعيد تعريفها وفق منطق جديد؛ إذ جعل من وسائل التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية للنقاش والتعبئة، وأنتج أشكالا من المشاركة الأفقية واللامركزية لا تقوم على الزعامات أو الانتماءات الحزبية".
هذا التحول يعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والسياسة، ويطرح على الدولة والنخب تحديا مركزيا يتمثل في إيجاد لغة تواصل جديدة قادرة على احتضان هذا الوعي المتجدد.
وسجل أنه "في هذا الإطار، يحضر الخطاب الملكي الأخير بمناسبة افتتاح البرلمان كإشارة دالة على إدراك رسمي متزايد لعمق أزمة الثقة التي باتت تفصل بين المواطن ومؤسساته، وبأن الأحزاب السياسية والبرلمان فقدا جزءا مهما من قدرتهما على التأطير والتعبئة".
وأشار إلى أن "الخطاب يعكس وعيا بأن هذه الوضعية ليست طارئة، بل امتدادا لمسار من التراجع سبق أن تناولته خطب ملكية سابقة مثل 'أين الثروة؟' و'الطبقة الوسطى' و'المغرب يسير بسرعتين'، التي قدمت تشخيصا جريئا لمحدودية الوسائط السياسية والاجتماعية".
وشدد على أنه "مع ذلك، يرفض الخطاب خيار القطيعة أو القفز على المؤسسات، ويدعو بدل ذلك إلى إحياء دورها وتجديد وظائفها الأصلية في الوساطة والتمثيل، عبر ضخ نفس جديد في آلياتها بدل استبدالها".
وأكد أنه "خطاب يبحث عن توازن دقيق بين الاستمرارية والتغيير؛ فهو يعبر عن حرص على استقرار النظام السياسي، وفي الوقت نفسه يدعو إلى إصلاح تدريجي من داخل المؤسسات، مؤكدا أن الانتخابات تظل الإطار الأصيل للتغيير، وأن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن ينبع من داخل البنية الدستورية القائمة".
وتابع: "هذا التوجيه يمكن قراءته كدعوة ضمنية موجهة إلى الشباب الساخط للعودة إلى الفعل السياسي المنظم والمشاركة الواعية في انتخابات 2026، باعتبارها الإطار المشروع للتعبير والتأثير".
وأبرز أنه "غير أن تفعيل هذه الدعوة يظل رهينا بقدرة النخب السياسية على تجديد خطابها وآليات عملها، واستعادة ثقة الشباب التي تآكلت بفعل سنوات من الانفصال بين القول والفعل".
وشدد على أنه "المطلوب اليوم ليس فقط رفع نسب المشاركة، بل إعادة بناء علاقة جديدة بين الشباب والسياسة، تعيد للأحزاب وظائفها الأصلية في التأطير والتمثيل، وتمنح جيل Z إحساسا بأن صوته مسموع، وأن التغيير الحقيقي ممكن من داخل المؤسسات لا من خارجها".
وأشار إلى أن الشباب الذي يمارس السياسة يجب أن تتاح له الفرصة لممارسة حقه في النقاش الإعلامي والتعبير عن مطالبه، وتقع على الدولة مسؤولية توفير هذه المنصات والفرص لإقناع الشباب الساخط بأهمية الانخراط داخل المؤسسات وإعادة بناء الثقة بين المواطن والنظام السياسي.
وبخصوص الشبيبة الحزبية، أكد وأورد أن لها "أهمية كبيرة في تأطير الشباب، لذا يجب توفير فضاء اشتغال حقيقي لها، مع دعم مالي ولوجستي قادر على تمكينها من ممارسة دورها التربوي والسياسي بشكل فعال، بما يعزز القدرة على بناء قنوات تواصل حقيقية بين الشباب والمؤسسات السياسية".
المشاركة في الانتخابات التشريعية بالأرقام
شهدت العقود الأولى بعد الاستقلال نسب مشاركة مرتفعة، تعكس حماسة الانخراط في بناء المؤسسات السياسية للدولة الحديثة، ففي أول انتخابات تشريعية جرت في ماي 1963، بلغت نسبة المشاركة حوالي 71.9 في المائة.
واستمرت هذه المعدلات المرتفعة في انتخابات 1977 التي سجلت نسبة قياسية بلغت 82.3 في المائة، وكذلك في انتخابات 1984 التي وصلت فيها المشاركة إلى 67.4 في المائة.
ومع بداية الانفتاح السياسي الذي قاد إلى حكومة التناوب، سجلت انتخابات 1997 نسبة مشاركة بلغت 58.3 في المائة.
لكن مع مطلع الألفية الجديدة، بدأ مسار تراجعي مقلق، حيث انخفضت النسبة إلى 51.6 في المائة في انتخابات 2002، لتصل إلى أدنى مستوى تاريخي لها في انتخابات 2007 بنسبة 37 في المائة فقط، وهو ما فسر آنذاك كدليل على تزايد عزوف المواطنين عن السياسة.
ومع التحولات التي جاء بها دستور 2011، بدأ مؤشر المشاركة في التعافي بشكل تدريجي، ففي انتخابات نونبر 2011، التي جرت في سياق "الربيع العربي"، ارتفعت النسبة إلى 45.4 في المائة، لكنها عادت لتتراجع قليلا في انتخابات 2016 مسجلة 43 في المائة، إلا أن انتخابات 8 شتنبر 2021 شكلت نقطة تحول بارزة، حيث قفزت نسبة المشاركة بشكل ملحوظ لتصل إلى 50.35 في المائة.
ويعزى هذا الارتفاع بشكل كبير إلى تزامن الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية في يوم اقتراع واحد، مما حفز الناخبين على المشاركة بشكل أكبر، وأعاد مؤشر الثقة في العملية الانتخابية إلى مستويات لم يشهدها المغرب منذ أكثر من عقدين.
الشباب في اللوائح الانتخابية
ويبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية المحصورة يوم 31 مارس 2024، 17,286,278 مسجلا، وتشكل الفئة العمرية ما بين 18 و34 سنة نحو 20 في المائة من إجمالي المسجلين.
وذكرت المندوبية السامية للتخطيط، في تقرير لها سنة 2021، أن معدل تسجيل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة في اللوائح الانتخابية لا يتجاوز 33.6 في المائة من مجموع السكان في هذه الفئة العمرية.