دعا وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، في دورية موجهة إلى الولاة وعمال العمالات وعمالات المقاطعات، إلى الشروع في إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يستند إلى تثمين الخصوصيات المحلية وترسيخ الجهوية المتقدمة ومبادئ التكامل والتضامن بين الجماعات الترابية، بما يكفل تمتيع كل مواطن ومواطنة بولوج منصف إلى التنمية.
وطالب لفتيت الولاة والعمال بالشروع، في أقرب الآجال، في إطلاق مشاورات واسعة مع مختلف الفاعلين على صعيد نفوذهم الترابي، في إطار مقاربة تشاركية تستوجب انخراطهم الشخصي، عبر تنظيم اجتماعات للتواصل والتشاور مع الفاعلين الترابيين من أجل تعبئة جميع الأطراف وتحسيسها بمنهجية إعداد هذه البرامج ورهاناتها.
في هذا الصدد، أشار سمير الباز، الباحث في العلوم السياسية، إلى أن "المراسلة الصادرة عن وزارة الداخلية بخصوص إعداد جيل جديد من برامج التنمية المجالية، رغم أهميتها، تكشف عن استمرار هيمنة المقاربة المركزية في تدبير الشأن التنموي، وهو ما يتعارض مع روح دستور 2011 الذي جاء لترسيخ خيار الجهوية المتقدمة وتعزيز الديمقراطية التمثيلية".
وأضاف، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن "الفصل 7 من الدستور جعل من الأحزاب السياسية أداة لتأطير المواطنين والمساهمة في التعبير عن إرادتهم والمشاركة في ممارسة السلطة، كما نص الفصل 136 على أن الجهوية المتقدمة تقوم على مبادئ التدبير الحر، والمشاركة المواطنة، والتعبئة لتحقيق التنمية المندمجة والمستدامة، أما الفصل 145 فقد حدد بدقة وظيفة الولاة والعمال في تمثيل السلطة المركزية والمساعدة والتنسيق مع رؤساء المجالس الترابية، لا الحلول محلهم أو قيادة البرامج التنموية بشكل مباشر".
وتابع: "غير أن المراسلة الأخيرة منحت الولاة والعمال أدوارا قيادية في إعداد البرامج، وهو ما ينقل مركز الثقل من المؤسسات المنتخبة إلى ممثلي السلطة المركزية، وبهذا تتحول الأحزاب والمنتخبون إلى مجرد أطراف ثانوية في مشهد يفترض أن يكونوا فيه الفاعل الأساسي".
وأوضح أن "هذا الوضع يطرح إشكالا سياسيا جوهريا: كيف يمكن للأحزاب أن تقنع المواطن بجدوى التصويت والمشاركة السياسية، إذا كانت بدورها مهمشة ومجردة من صلاحياتها الدستورية؟ وكيف يمكن الحديث عن تعزيز المشاركة أو ضمان انتخابات نزيهة، في الوقت الذي يقصى فيه الفاعل الحزبي من بلورة البرامج العمومية؟ إن في ذلك تناقضا صارخا مع مقتضيات الدستور ومع الحاجة الملحة لإنتاج نخب سياسية حزبية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة".
ولفت إلى أن "توقيت هذه المراسلة، الذي يسبق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يثير تساؤلات إضافية، فهي تكرس صورة أن التنمية لا تأتي عبر الاختيار الانتخابي، بل عبر مبادرات فوقية مرتبطة بالسلطة المركزية، وبهذا، يتضاءل الهامش المتبقي أمام الأحزاب لتقديم برامج انتخابية مؤثرة، مما يضعف التنافسية السياسية ويغذي العزوف الانتخابي".
وأورد أن "التنمية الحقيقية لن تتحقق إلا عبر تمكين المؤسسات المنتخبة من ممارسة اختصاصاتها الدستورية كاملة، وربط البرامج والسياسات العمومية بالاختيار الديمقراطي، ذلك وحده كفيل بجعل المواطن يقتنع أن صوته في صناديق الاقتراع هو الذي يصنع القرار العمومي ويؤثر في المسار التنموي، لا أن يظل التصويت مجرد إجراء رمزي في ظل مركزية القرار".