هيمنة الحكومة على التشريع.. شيات: البرلمان لا يجد الكفاءات ولا الإمكانيات المتاحة للحكومة

خديجة قدوري

لاتزال الممارسة التشريعية تعكس استمرار تفوق الحكومة وهيمنتها على العمل التشريعي داخل المؤسسة البرلمانية، وفقا لما كشفت عنه دراسة مستجدة تحت عنوان "الالتزام الحكومي بالدراسة الشهرية لمقترحات القوانين وأثره على المبادرة التشريعية البرلمانية".

وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع خالد شيات، الخبير في العلاقات الدولية، الذي أكد أن تضييق دور البرلمان في المجال التشريعي بصفة عامة يعود إلى ثلاثة محددات رئيسية.

في ضوء محدودية المبادرة التشريعية بالمغرب، كيف يمكن أن يؤثر ذلك على قدرة البرلمان على التأثير في السياسات الوطنية التي لها انعكاسات دولية؟

 حصار دور البرلمان على مستوى التشريع بصفة عامة يعود إلى ثلاثة محددات، الأول دستوري، فهذا الأخير يحدد مجال القانون ويترك المجال التنظيمي واسعا، أي أن مجال تدخل الحكومة على مستوى وضع القوانين يبقى أوسع من مجال القانون، سواء في إطار تحديد مجال القانون على مستوى الدستور المغربي أو على مستوى وضعه بشكل مفتوح بالنسبة للحكومة.

وكذلك في إطار ما يعرف بقانون الإذن، حيث يمكن للبرلمان أن يأذن للحكومة بالتشريع أو التنظيم فيما يختص به مجال القانون أو حتى في تدخل الحكومة بين دورات مجلسي البرلمان، وهو أمر لا يختلف كثيرا عن مجموعة من الأنظمة السياسية التي أصبح فيها مجال وضع القوانين أقرب إلى الحكومة من البرلمان.

العامل الثاني سياسي على اعتبار أن الحكومة تنبثق من الأغلبية البرلمانية، وهذا الترابط بين الجانبين الحكومي والبرلماني أراد المشرع الدستوري أن يجعله في يد المعارضة عندما أعطاها مكانة معينة، ولكن لا أعتقد أن هذا الأمر كان له أثر على مستوى الواقع، نتحدث هنا عن إدخال وإقحام المعارضة في مجال التأثير على مستوى صناعة القرار بصفة عامة داخل البرلمان.

العامل الأخير  تقني، سواء تعلق الأمر بالأغلبية أو بالمعارضة، فالإدارة  كانت دائما بيد الحكومة، وهي بذلك أقرب إلى معرفة المجالات المختلفة لوضع القوانين داخل الدولة، وأقرب من البرلمان الذي لا يجد الكفاءات ولا الإمكانيات المتاحة أمامه كتلك المتاحة بالنسبة للحكومة.

 الحديث عن التأثير على السياسات الوطنية التي لها انعكاسات دولية، بالنسبة للبرلمان بصفة عامة، المسألة مستبعدة خاصة أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار كل ما سبق، فمجال وضع خطط وتصورات السياسة الخارجية لايزال على مستوى التنفيذ والتصور، موضوعا في مجال محفوظ وضيق بالنسبة للمؤسسات المعنية خاصة المؤسسة الملكية، كيف أيضا تتعامل مع هذا الأمر على مستوى علاقتها أو على مستوى التأثير في تحديد طبيعة الشخصية التي ستكونها وتحمل حقيبة وزارة الخارجية، وغيرها من الأشياء.

 إذن، يصعب على البرلمان بصفة عامة أن يكون مساهما، وأن يكون أكثر من ذلك مطلعا ومساهما في وضع قوانين أو تأطير هذه القوانين، خاصة تلك التي لها بعد دولي، لأن هذا الأمر أعتقد أنه مجال بعيد عن اختصاصات البرلمان، ولكن هذا لا يعني أنه بعيد بمعنى الموضوعي، ولكن لأن بعض القضايا، كما هو الحال بالنسبة للقضية الوطنية، يمكن أن يكون فيها للبرلمان تدخل ودور، ولكن ليس على مستوى التصور، بل على مستوى الدبلوماسية الموازية وليس على المستوى الفعلي والتصوري.

هل تعتقد أن هيمنة الحكومة على التشريع تؤثر على صورة المغرب في المحافل الدولية؟

لا أعتقد أن هذا الأمر يؤثر على صورة المغرب، لأن هذا الوضع، كما قلت، هو وضع عالمي خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار مسألة مجموعة من الأنظمة ذات الطبيعة البرلمانية، حيث نجد أن هيمنة الحكومة على التشريع هي مسألة موجودة في مجموعة من الأنظمة السياسية خاصة البرلمانية، وإن كانت هناك بعض الأنظمة التي تعطي وحاولت أن تعلي من مكانة البرلمان، فإن ذلك ليس على مستوى التشريع إذا أخذنا بعين الاعتبار جانب وضع القوانين، ولكن على مستوى المراقبة والتتبع والتقييم، لذلك فهذا لا يؤثر بشكل مطلق على صورة المغرب.

الملاحظ  أنه على مستوى بنية البرلمان السياسية، خاصة على مستوى المعارضة، هناك ضعف كبير جدا وعدم تحديد، وهناك أحزاب يمكن أن نقول أنها توجد ما بين المعارضة والحكومة، أو ليست حاسمة في موقفها فيما يرتبط بهذا الخصوص، وهذا الأمر ضيع على البرلمان فرصة أن تكون هناك معارضة قوية يمكن أن تكون أيضا حاملة لنوع من التوازن في جانب فرض مجموعة من التصورات فيما يرتبط بمسألة التأثير في التشريع والتأثير في التقييم، وتتبع أعمال الحكومة، لذلك هذه أشياء يجب أن يعتني بها النظام السياسي المغربي، لكن كما قلت لا تؤثر على صورته دوليا.

من منظور العلاقات الدولية، كيف يمكن أن تساهم زيادة دور البرلمان في التشريع في تعزيز مصداقية المغرب وفاعلية شراكاته الدولية؟

على مستوى العلاقات الدولية، دور البرلمان يبقى في مستوى العلاقة مع الجانب الاتفاقي الدولي، وهناك علاقة وطيدة في مستويين، مستوى القوانين العادية، حيث يذكر تصدير الدستور هيمنة أو تفوق القانون الدولي والعمل على جعل الاتفاقيات الدولية تسمو على القوانين والتشريعات الوطنية في حال نشرها.

 وهنا يدخل هذا الجانب المرتبط بالجانب الاتفاقي والتشريعي، السؤال الأساسي ينصب حول طبيعة التشريع الذي يجب أن يتوافق مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب والتي نشرت في الجريدة الرسمية، وهذا الجانب به الكثير من النقاش لأنه محدد على مستويات أخرى مرتبطة بهوية المملكة ودستورها وقوانينها، وهذا التفسير يصعب أن يعطى لفائدة جهة معينة، يعني لفائدة القانون الدولي على حساب قوانين وطنية، أو لفائدة القوانين الوطنية على حساب القانون الدولي، لأنه ليس هناك وضوح دستوري فيما يرتبط بتصدير الدستور المغربي.

وفيما يخص علاقة الاتفاقية الدولية بالدستور المغربي، يتضح ذلك في الفصل 55 ولاسيما في الفقرة الثالثة التي تنص على أنه في حال تصريح المحكمة الدستورية، إحالة لها أو إليها من طرف الملك أو رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، أن الالتزام الذي يخالف مقتضيات الدستور لا يمكن المصادقة على هذه الاتفاقية إلا بعد مراجعة الدستور، وهنا يمكن أن نتحدث عن دور البرلمان في مستوى الإحالة أولا على المحكمة الدستورية.

 ثانيا، على مستوى العمل على تكييف الدستور المغربي نفسه مع مقتضيات الاتفاقية الدولية، كيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى مستوى من تعديل الدستور ربما بصيغة ملطفة بطريقة تعديل عن طريق البرلمان أكثر؟ وهو ما يجعل من مسألة وعي البرلمان بصفة عامة، وطبعا البرلمانيين من خلال ذلك، بهذه الأدوار المتعددة للتشريع، ولعلاقة التشريع والدستور المغربي بما هو دولي، يمكن أن يكون له أثر كبير جدا على مستوى تطوير المنظومة الدستورية والقانونية والوطنية بما يتلاءم مع مجموعة من المعطيات المنصوص عليها على مستوى الدولي، وهو الذي سيعزز مكانة المغرب فيما يخص احترام المنظومة الاتفاقية الدولية ولا سيما المنظومة الاتفاقية لحقوق الإنسان بصفة خاصة.