2026.. "خدعة زمنية" و"أسوأ الشرور"!

أحمد مدياني
أحمد مدياني

ملحوظة قبل البدء: هذا المقال يُنصح بقراءته مرتين...

"كل عام جديد هو خدعة زمنية نوافق عليها عن طيب خاطر". بهذه الكلمات لخص الفيلسوف والكاتب الروماني إميل سيوران، الشعور الجماعي لملايين البشر. منذ الأزل، وهم يستقبلون بداية سنة جديدة، بعدما شُحنوا أو شَحنوا ذواتهم، مع قرب نهاية العام المنصرم، بأمل أن تتغير أحوالهم العامة والخاصة.

يودعون دجنبر من كل سنة ويستقبلون اللحظات الأولى من يناير مسلحين بالأمل، الذي يصفه الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه بأنه "أسوأ الشرور، لأنه يطيل عذاب الإنسان".

"الخدعة الزمنية" كما يصفها سيوران. و"شرور الأمل" وفق تعريف نيتشه، يقودان لطرح سؤالين يهمان المغاربة.

الأول: كيف يوافقون على تكرار عيش الخدعة الزمنية؟

الثاني: أين موطن الشرور الذي يطيل عذابهم من داخل الخدعة؟

قبل الإجابة: لنتفق على أن واقع يومياتنا، اليوم، ضُبط اتجاه إبرة بوصلته نحو مواعيد مباريات كأس أمم إفريقيا، خاصة ما تنتجه الـ90 دقيقة التي يلعبها المنتخب الوطني المغربي. ومعها تتولد عشرات الأسئلة، من بينها: كيف تدبر تذاكر الولوج للملعب؟ ماذا قال الركراكي خلال ندوته الصحفية قبل وبعد المباراة؟ بالإضافة إلى كل التفاعلات التي ننتجها نحن، أو تحملها رياح الشرق والغرب والشمال والجنوب التي تهب في اتجاه الحدث القاري الذي تستضيفه بلادنا.

هل تتغير اتجاهات البوصلة؟

الجواب يوم 18 يناير، أو قبله. ولأننا نعشق الفرح، على قناعة أن جرعاته مطلوبة للرفع من حس الوطنية، مهما كان مصدرها، نتمنى أن نبحث عن الجواب صبيحة الـ19 من الشهر الجاري.

لنجب الآن عن السؤالين اللذين طرحناهما سلفا.

"خدعة زمنية"، نعم هي كذلك، المغاربة بدورهم يوافقون على عيشها عن طيب خاطر، ليس لأنهم مجبرون على ذلك، بل لأنهم مضطرون. خارجها يوجد جحيم الوعي، حيث لن يجد الفرد بوصلة استقرار نفسي واجتماعي مهما اختلفت درجات الاستفادة من تفاصيله، حتى وإن كان زائفا، أي الاستقرار.. أكرر المغاربة مضطرون لا مجبرون.

إذن، خلاصة الرأي في ما يخص التواجد داخل حلقة "الخدعة الزمنية" المتكرر حدوث الإحساس الجماعي بها، أنها فعلا عن طيب خاطر، ليس لأن الأخير راغب فيها، بل لأنها أحد أسس الاستمرار في العيش أو لنقل الحياة.

أما السؤال الثاني المرتبط بـ "أسوأ الشرور" أي الأمل وإطالته لعذاب الإنسان. هنا سوف أستعير تجربة شخصية، أساسها تكرار عبارة "ليس ثمة أمل مؤجل، بل المفروض تغيير ما يجب أن يحدث اليوم، أو غدا على أبعد تقدير".

نعم، تخلصت من وهم عيش الأمل المرتبط أساسا بالزمن للبحث عن تحقيق أهدافه وتطلعاته ومعالجة الاختلالات التي تنتج أحلامه. ثم أدبر اليوم وغدا وفق قاعدة بسيطة: تأجيل الأحلام إلى السنة المقبلة. يعني التشبع بوهم أن الزمن هو ما يمنعنا لا نحن!

وأما ما يمنع المغاربة اليوم كافة، فهم أنفسهم، لأنهم دائما ما يؤجلون - دون تعميم - ينتظرون تغير التواريخ.. انقضاء السنوات.. وتصديق أن الخمس سنوات المقبلة، ستكون أفضل من سابقاتها، غداة "تغيير" صناديق الاقتراع. الوجوه التي تتحكم في مصائرهم.

لم يقتنع المغاربة، أو لأنهم مضطرون لذلك - كي لا نتناقض مع خلاصة الجواب عن السؤال الأول - بأن التعليم العمومي ذا جودة، مجاني وعادل... إن لم يفرضوا شروط تنزيله، فلن يتصدق عليهم به أحد.

لقد تحول التعليم منذ زمن إلى تجارة لا غير. وكما قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مؤخرا لإحدى النائبات تحت قبة البرلمان: "أنت تعيشين داخل نظام رأسمالي، البورجوازية هي من تتحكم في التشريعات، وتضعها وفق مصالحها".

المغاربة، ينتظرون أن يكون الولوج للخدمات الصحية، كما يتابعونها في الأفلام والمسلسلات الأجنبية. مستشفيات ضخمة بأحدث التجهيزات، أطقم طبية، تمريضية، تقنيون ومسعفون... يحتكمون في تنزيل قسمهم، للضمير، لا لشيكات الضمانة وتحصيل الأتعاب في "النوار".

يعيشون أيضا تحت مظلة "أسوأ الشرور" تجاه النقل العمومي... البنى التحتية... المساحات الخضراء... تقاعدهم بعد الستين وزيادة... فضاءات الترفيه... حلم السفر خارج الحدود بغرض السياحة والاستجمام لا الكد والسعاية... أن تكون الثقافة ومعها الفن من أسس التربية وأهداف التنمية...

هل يتحركون كما يجب لمنع إطالة العذاب الذي يغذيه الأمل؟

لا.

وحين يتحرك البعض منهم، يجدون من هم جنود مجندة لإعادة الذين سئموا إلى داخل دائرة اضطرار عيش "الخدعة الزمنية" وفق نهج وهم التسلح بـ"أسوأ الشرور".

يقول الفيلسوف الوجودي وصاحب كتاب "القلق" سورين كيركيغار إن "الحياة تفهم إلى الوراء، لكنها تعاش إلى الأمام".

أكاد أجزم ونحن نستقبل حكومة جديدة... مسؤولا جديدا... قانون مالية جديدا... مشروع قانون جديدا، أو قرارات تترتب عنه... سنة جديدة... نعيش فقط، تفاصيل استقبال وفهم وتنزيل كل ما سبق وغيره، بعكس مقولة الفيلسوف كيركيغار: الحياة عندنا تُعاش إلى الوراء، لأننا مضطرون لفهمها بالأمل نحو الأمام.

لأجل كل ما سبق، ولأن 2026 تحمل موعدا انتخابيا، يحمل معها جرعات من الأمل والآمال، لا شيء سوف يتغير، إن لم يقتنع المغاربة بأنهم يجب أن يغادروا قاعة انتظار "الخدعة الزمنية"، إن لم يقتنعوا بأنهم هم من يمنع أولا وأخيرا عدم تحقيق أحلامهم، ليس الزمن.

المغاربة مضطرون، أو لنقل عالقون داخل دوامة "الخدعة الزمنية" بسبب جرعات مفرطة من "أسوأ الشرور"!