تدوينة أخنوش الحزبية تفجر جدل تنازع المصالح واستغلال أدوات الدولة

خديجة عليموسى

عاد الجدل من جديد حول الحياد المؤسساتي واستعمال أدوات الدولة لأغراض حزبية، بعد نشر تدوينة على الصفحة الرسمية لرئيس الحكومة بمنصة "فيسبوك"، توثق لنشاط حزبي داخلي نظمه عزيز أخنوش، بصفته رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، مع مسؤولي الحزب بجهة سوس ماسة.

الصفحة المعنية أنشئت في عهد عبد الإله بنكيران، واستعملت  كأداة تواصل رسمي موجهة للمواطنين، تخصص لنقل مواقف رئاسة الحكومة بشأن البرامج والسياسات العمومية،  غير أن نشر مضمون حزبي داخلي في هذه الصفحة أثار تساؤلات ملحة حول مدى احترام الحدود الفاصلة بين الصفة الحكومية والانتماء السياسي.

ورغم حذف التدوينة لاحقا من الصفحة الرسمية، فإن رئاسة الحكومة لم تصدر أي توضيح أو بلاغ رسمي بشأن الواقعة، في وقت لا تزال فيه صورة التدوينة متداولة على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، ما زاد من حدة الانتقادات والاتهامات باستغلال أدوات الدولة لأغراض حزبية.

وقد تفاعل عدد من النشطاء بتعليقات لاذعة، من قبيل: "خذاو الصفقات والصفحات..."، في إشارة إلى الصفقات التي تفوز بها شركات رئيس الحكومة، وفي مقدمتها صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي سبق أن دافع عنها تحت قبة البرلمان، مؤكدا أن العرض المقدم من طرف شركته كان "الأفضل"، بل وذهب حد التصريح بأن كل من يشكك في الصفقة فإنه "يضرب في الدولة".

وتعيد هذه الممارسات إلى الواجهة مقتضيات الفصل 36 من دستور 2011، الذي يؤكد أن القانون يعاقب على المخالفات المرتبطة بتنازع المصالح، والشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وغيرها من الأفعال المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.

وتساءل مدونون كيف لمسؤول حكومي يتوفر على مؤسسات خاصة في مجال التواصل أن يقع في مثل هذا الخلط، مشيرين إلى أن إدارة منصات التواصل الحكومية تتطلب فهما دقيقا لأبسط القواعد الدستورية التي تفصل بين الدولة والحزب، وكتب أحد المعلقين: "إذا كان من يدير واحدة من أكبر شركات التواصل في البلاد لا يميز بين صفة رئيس الحكومة وصفته الحزبية، فبأي منطق يتم الحديث عن الحكامة؟"

ولا تعد هذه الحادثة معزولة، فقد سبق أن تفجرت في يناير من سنة 2024  قضية مماثلة، وصفت بـ"الفضيحة السياسية"  بعدما كشف الفريق النيابي للعدالة والتنمية عن وجود رابط تقني ضمن البوابة الإلكترونية الرسمية للحكومة (www.alhoukouma.gov.ma)، كان يحيل بشكل مباشر على الموقع الرسمي لحزب التجمع الوطني للأحرار.

الواقعة، التي تم توثيقها لدى مفوض قضائي، أثارت آنذاك جدلا سياسيا واسعا، وطرحت تساؤلات حول شبهة الاستغلال الحزبي لمعطيات ذات طابع شخصي، وانتهاك مبدأ حياد مؤسسات الدولة في التواصل مع المواطنين.

إن استمرار هذه الانزلاقات يسيء إلى صورة المؤسسات، ويقوض ثقة المواطنين في الخطاب الحكومي،  ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبرز سؤال أعمق وهو كيف ستضمن الحكومة استقلالية المرفق العمومي، بعيدا عن أي توظيف سياسي أو انتخابي، في انسجام مع روح الدستور ومتطلبات الشفافية والحكامة الجيدة؟