المنتدى العربي الإفريقي.. بنعليلو: المقاولة مطالبة بترجمة التزامها بمكافحة الفساد إلى ممارسات ملموسة

خديجة قدوري

دعا محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في مداخلته خلال المنتدى العربي الإفريقي حول المقاولة وحقوق الإنسان، الذي تنظمه المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان يومي 24 و25 يونيو 2025 بمراكش، إلى خلق تحالفات جديدة، وتعاقدات مبتكرة، من أجل تفعيل حقيقي لمبدأ المسؤولية المشتركة.

وأكد بنعليلو أن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، تضع نفسها رهن إشارة كل المقاولات التي تسعى إلى الانخراط في المعيار الدولي لنظم إدارة مكافحة الرشوة (𝐈𝐒𝐎𝟑𝟕𝟎𝟎𝟏)، لمساعدتها على تطوير نظام وقائي متكامل ضد الفساد، وإرساء ثقافة النزاهة والامتثال لديها، وإرساء وعي فعلي بالمخاطر التي يشكلها الفساد على المقاولة نفسها وعلى الاقتصاد الوطني.

واعتبر رئيس الهيئة الوطنية أن مداخل الحديث عن المقاولة، لم تعد مقتصرة على المقاربة الاقتصادية البحتة، بل دخلت مرحلة جديدة تجعل من المقاولة فاعلًا مؤثرًا في معادلة الحقوق، ورافعة حقيقية في ترسيخ أسس الوقاية من الفساد.

وأوضح أن ابتكار نماذج اقتصادية أكثر إنصافًا، تجعل النزاهة في صلب الرؤية الاستراتيجية للمقاولة، سيشكل آلية منهجية لتعزيز الشفافية، وترسيخ آليات الامتثال الداخلي، وتفعيل آليات التبليغ لديها، باعتبارها إجراءات تقنية ضرورية للتعبير عن تجاوز منطق "الامتثال الأدنى" للقوانين والنظم، نحو "التزام واعي واختياري وطوعي" بقيم النزاهة.

وأضاف بنعليلو، أنه في ظل تزايد كلفة الفساد على المستوى الدولي، تتعاظم مسؤولية المقاولة، التي أصبحت مطالبة اليوم بابتكار نماذج اقتصادية أكثر إنصافًا، وأن تُترجم التزامها بمكافحة الفساد إلى ممارسات ملموسة، تتجاوز الامتثال الشكلي للنصوص، إلى جعل النزاهة جزءا لا يتجزأ من رؤيتها الاستراتيجية، فالتزامها بمكافحة الفساد ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو في جوهره التزام حقوقي صريح.

وذكر المصدر ذاته، أنه ببساطة لأن المقاولة التي تتجاهل الأثر الحقوقي لأنشطتها، أو تتسامح مع الفساد في سلاسل التوريد، أو تستفيد من علاقات ريعية مشبوهة، تساهم بشكل مباشر في تكريس اللامساواة، وإضعاف مناعة المؤسسات، وتقويض الحق في التنمية العادلة.

وتابع قائلا إن المنتظم الدولي لم يعد يقبل اليوم الفصل بين الاقتصاد ومحاربة الفساد وحقوق الإنسان. فالمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة، والتوصيات المتقدمة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، تؤكد على أن الالتزام الحقوقي للمقاولة لا يُقاس فقط بعدم انتهاك هذه الحقوق داخل فضاء العمل، بل يُقاس كذلك بقدرتها على بناء منظومة حكامة داخلية، شفافة، خالية من تضارب المصالح، قائمة على العناية الواجبة بمخاطر الفساد والتأثير غير المشروع على القرار الاستثماري العام.

وأشار إلى أنه في إفريقيا كما في العالم العربي، حيث تتقاطع تحديات التنمية مع انتظارات الديمقراطية، تصبح مسؤولية المقاولة مضاعفة. فكما هي مطالبة ببناء استثمار مسؤول، مطالبة أيضا بأن تكون حليفة في معركة بناء الثقة، وردم فجوة الريع، وإنهاء ممارسات الاستغلال اللامشروع للسلطة.

وأبرز في معرض حديثه، أن المقاولة مدعوة بإلحاح إلى تجاوز منطق "الامتثال الأدنى" للقوانين والنظم، نحو "التزام واعي واختياري وطوعي" بقيم النزاهة. فهذا وحده ما سيجعل من تقارير الشفافية، داخل المقاولة، أدوات لتكريس ثقافة النزاهة والحقوق والمساءلة.

وأفاد بأن هذه الشراكة لن تكتمل إلا إذا تجاوزنا المقاربة التجزيئية للمسؤولية، فلا السلطات المختصة وحدها قادرة على مكافحة الفساد، ولا الفاعل المقاولاتي يستطيع بمفرده ضمان النزاهة وحقوق الإنسان. نحن بحاجة إلى تحالفات جديدة، إلى تعاقدات مبتكرة، إلى تفعيل حقيقي لمبدأ المسؤولية المشتركة.

ولفت الانتباه إلى أن القطاع الخاص ليس خصمًا في معركة الشفافية، بل شريكا لا غنى عنه. فالمقاولة التي تدمج النزاهة في صلب نموذجها الاقتصادي لا تحمي نفسها من المخاطر فقط، بل تساهم في تحصين الاقتصاد الوطني، وفي تعزيز الثقة العامة، وفي تقوية مناعة المؤسسات ضد الانحرافات.