كأس أمم إفريقيا للسيدات.. المنتخب المغربي يراهن على الأرض والجمهور

تيل كيل عربي

خالد لكراري- صحافي متدرب

يعود المغرب لاحتضان كأس أمم إفريقيا للسيدات "WAFCON" في نسختها الخامسة عشرة، خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 26 يوليوز 2025، وذلك للعام الثاني على التوالي بعد نجاح نسخة 2022.

ستقام البطولة في ستة ملاعب موزعة على خمس مدن، وسط تحضيرات تقنية ولوجستيكية انطلقت منذ شهور، في مشهد يعكس التزام المغرب المتواصل بتطوير البنية التحتية الرياضية واحتضان كبرى التظاهرات القارية. وقد شكلت التجربة السابقة محطة مفصلية في ترسيخ صورة المملكة كوجهة قارية موثوقة وفاعلة في دعم كرة القدم النسائية، خاصة بعد النجاح الجماهيري والتنظيمي الذي حظيت به.

النسخة الجديدة لا تبدو تكرارا للماضي، بل خطوة نوعية ضمن مسار استراتيجي طويل، يعكس دينامية وطنية متزايدة للنهوض باللعبة النسوية، وتطويرها على المستويين الرياضي والتنظيمي. وسط هذه الدينامية، يبدو تنظيم دورة 2025 ليس مجرد محطة أخرى في سجل المشاركات، بل خطوة إضافية ضمن سياق أوسع... سياق بدأ قبل عقود وشهد تحولات عميقة، وهو ما سنتوقف عنده في المحطات التاريخية المقبلة لفهم المسار الكامل لتطور هذه البطولة.

 

كأس الأمم الإفريقية للسيدات.. من الظل إلى المنصة

 

انطلقت كأس إفريقيا للسيدات سنة 1991 في سياق قاري لم يكن مهيأ بعد لاحتضان تظاهرات كروية نسائية كبرى، إذ كانت المنافسة آنذاك تقام بصيغة متواضعة تقتصر على تصفيات مؤهلة لكأس العالم، تجرى بنظام الذهاب والإياب، دون بلد مضيف أو نظام مجموعات، وكأن البطولة تمر في الظل. رغم ذلك، شاركت في النسخة الأولى ثمانية منتخبات، من بينها نيجيريا والكاميرون، وتمكنت نيجيريا من انتزاع أول لقب، واضعة بذلك بصمتها المبكرة على هذه الساحة الكروية الوليدة. نسخة 1995 حافظت على نفس النمط، وأعادت نيجيريا تأكيد هيمنتها بتفوق جديد في النهائي على جنوب إفريقيا، في وقت كان فيه الاهتمام بكرة القدم النسوية لا يزال هامشيا على المستويين الإعلامي والتنظيمي.

لكن مع حلول عام 1998، تغيرت قواعد اللعبة، حين قرر الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إطلاق أول نسخة حقيقية بنظام بطولة متكامل، تقام في بلد مضيف وتضم مجموعات وأدوارا إقصائية، وكان من الطبيعي أن تحتضن نيجيريا هذه البداية الجديدة، بحكم تفوقها في النسختين السابقتين. تلك الدورة عرفت مشاركة ثمانية منتخبات، من بينها المغرب ومصر كأول دولتين عربيتين في تاريخ المسابقة، غير أن نيجيريا واصلت عزف نغمة السيطرة وتوجت مجددا باللقب.

في السنوات التي تلت، استمر تنظيم البطولة بشكل منتظم كل عامين، فيما ظلت نيجيريا الطرف الأقوى، بتحقيقها جميع الألقاب حتى نسخة 2006، ما يعكس ليس فقط تفوقها الفني، بل أيضا حجم التفاوت في الدعم والرؤية بين المنتخبات الإفريقية. لكن رياح التغيير هبت سنة 2008، حين تمكنت غينيا الاستوائية من الإطاحة بنيجيريا في نصف النهائي، والتتويج بالبطولة لأول مرة في تاريخها، لتعلن عن بداية تحول تدريجي في ميزان القوى داخل القارة.

النسخ الموالية عرفت مدا وجزرا بين عودة نيجيريا لمنصات التتويج أعوام 2010 و2014 و2016، وبين تألق غينيا الاستوائية التي حصدت لقب 2012، بينما بقي عدد المنتخبات المشاركة محدودا في ثمانية، ما جعل المنافسة تحتفظ بجزء من تقليديتها. وفي عام 2015، جاء قرار الاتحاد الإفريقي باعتماد التسمية الرسمية "كأس الأمم الإفريقية للسيدات"، وهو تعديل رمزي في الظاهر، لكنه يحمل دلالات كبيرة في الاعتراف المتزايد بقيمة البطولة ومكانتها في أجندة الكرة الإفريقية.

ثم جاءت النسخة التي غيرت كل شيء. المغرب، في عام 2022، أعاد رسم معالم البطولة من جديد، بعدما استضاف نسخة وصفت بالأكثر تنظيما وحضورا في تاريخ كأس أمم إفريقيا للسيدات. ارتفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 12، وتم اعتماد نظام جديد للمجموعات، ما ساهم في رفع مستوى التنافس الفني إلى درجات غير مسبوقة. ولم يقتصر التجديد على الجانب التنظيمي أو الجماهيري فحسب، بل شهدت هذه النسخة سابقة تاريخية تمثلت في اعتماد تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) ، لتصبح بذلك أول بطولة نسائية في إفريقيا تدار بهذه التقنية بشكل كامل. وقد جاء هذا التحديث في إطار استراتيجية الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) الرامية إلى تعزيز العدالة التحكيمية، والرفع من جودة المباريات، وتكريس مبادئ الشفافية داخل المنافسة.

أما المدرجات، فقد نطقت بلغة الأرقام: حضور جماهيري فاق 50 ألف متفرج في المباراة النهائية، و45 ألفا في نصف النهائي الملحمي الذي جمع بين المغرب ونيجيريا. وفي قلب هذا الزخم، تحقق الإنجاز الأهم على أرضية الميدان، حيث بلغ المنتخب المغربي للسيدات المباراة النهائية للمرة الأولى في تاريخه، معلنا عن تحول نوعي في واقع الكرة النسوية الوطنية، وبداية مرحلة جديدة تطمح فيها المملكة لتجاوز سقف المشاركة نحو أفق التتويج القاري.

من أجل أول لقب... منتخب السيدات يراهن على الأرض والجمهور

 

ومع بداية نسخة 2025، يركز المنتخب المغربي للسيدات بقيادة المدرب الإسباني خورخي فيلدا على خوض غمار المنافسة بثقة وطموح كبير، خاصة أنه سيخوض دور المجموعات إلى جانب زامبيا، السنغال، والكونغو الديمقراطية، ضمن مجموعة متوازنة. البطولة ستشهد أيضا مشاركة منتخبات قوية على رأسها نيجيريا، حاملة الرقم القياسي في عدد الألقاب، ما يجعل من هذه النسخة واحدة من أكثر النسخ تنافسية وإثارة، في وقت يأمل فيه المغاربة أن يكون التتويج هذه المرة من نصيب اللبؤات وعلى أرض الوطن.