مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود الجدل من جديد حول "تمثيلية مغاربة العالم"، ويطرح السؤال: لماذا لا يتمتع ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بحقهم الكامل في التمثيلية السياسية؟ فبين خطب ملكية واضحة، ونصوص دستورية حاسمة، ووعود حزبية تتكرر مع كل محطة انتخابية، لاتزال مشاركة مغاربة العالم تتعثر، لتظل حبيسة دوائر مغلقة بين التردد المؤسسي والتقاعس الحزبي.
في انتظار التفعيل
بمناسبة الذكرى الثلاثين للمسيرة الخضراء، يوم 6 نونبر 2005، أعلن الملك محمد السادس عن قرارات استراتيجية من أجل تعزيز مشاركة مغاربة العالم في الحياة السياسية، تتمثل في "تمكين المغاربة المقيمين بالخارج من تمثيلهم، عن جدارة واستحقاق، في مجلس النواب، بكيفية ملائمة وواقعية وعقلانية"، و"بوجوب إحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج، ليتسنى لمواطنينا بالمهجر اختيار نوابهم بالغرفة الأولى للبرلمان"، وتمكين الأجيال الجديدة من حق التصويت والترشيح في الانتخابات، على غرار آبائهم، تجسيدا لمبدأ المساواة في المواطنة".
ولتنفيذ هذه القرارات، أصدر الملك تعليماته للحكومة من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ هذه القرارات الثلاثة، عند مراجعتها لمنظومة الانتخابات.
وبعد دستور 2011، انطلق مسار جديد أمام مغاربة العالم، عنوانه الاعتراف الكامل بالمواطنة السياسية، وحقهم المشروع في التمثيل داخل المؤسسات المنتخبة، حيث نص الفصل 17 بوضوح على أن المغاربة المقيمين في الخارج يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات.
كما تحدث الفصل 18 عن ضمان أوسع مشاركة ممكنة لهم في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة الجيدة التي يحدثها الدستور أو القانون.
لكن، وبعد أكثر من عقدين من الزمن على خطاب 2005، لم يتم تنزيل القرارات بالشكل الذي يرضي أفراد الجالية، لاسيما في ما يتعلق بمشاركة سياسة فعالة، حيث ظل قرار إحداث دوائر انتخابية في الخارج معلقا.
لا يخفي حميد بيشري، عضو مجموعة عمل المواطنة والمشاركة السياسية بمجلس الجالية، وعضو تنسيقية الأحزاب السياسية بالخارج، خيبة أمله من هذا الوضع، مؤكدا أن "الإشكال ظل دائما في غياب التفعيل، رغم وضوح المطالب ووجود معطيات دقيقة تبين الإمكانات".
ويضيف في تصريح لـ "تيلكيل عربي" أن "لا أحد من الأحزاب، سواء في المعارضة أو الأغلبية، تعامل بجدية مع هذا الموضوع، فالكل، في نهاية المطاف، يلقي به على عاتق وزارة الداخلية".
هذا التملص، كما يسميه عدد من الفاعلين، لم يكن مجرد تقصير سياسي عابر، بل تحول إلى نمط مؤسساتي رسخ لدى فئات واسعة من الجالية شعورا بالإقصاء.
ويعبر عمر المرابط، رئيس منتدى الكفاءات والنخب بالخارج، عن هذا الإحباط قائلا، في تصريح لـ"تيلكيل عربي" "رغم أن جميع الأحزاب السياسية المغربية تجمع على أن المشاركة السياسية، وخاصة تمثيل مغاربة العالم في البرلمان، هي حق دستوري يجب أن يتمتعوا به، إلا أن وزارة الداخلية، في كل مرة، تقدم قانونا انتخابيا لا يشملهم".
من جهته، يشير محمد الخشاني، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس الرباط وباحث في مجال الهجرة الدولية، إلى أن "التمثيلية السياسية لمغاربة العالم حق دستوري واضح"، لكنه يشدد، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، على ضرورة "دراسة التجربة السابقة بعناية، للوقوف على الهفوات وتفادي تكرار الأخطاء"، في إشارة إلى تجربة سنة 1984 حيث تم إحداث خمس دوائر خارج المغرب من أجل تمثيل الجالية بالبرلمان.
ورغم أن الخطب الملكية أعطت للمسألة بعدا استراتيجيا ورمزية وطنية عميقة، فإن المشاركة السياسية للجالية ظلت موضوعا تعاد مناقشته عند كل محطة انتخابية، ثم يطوى بعد انتهاء الحملات، ليعود إلى الواجهة عند اقتراب موعد جديد.

تراجع في لحظة القرار
رغم ما تبديه مختلف الأحزاب السياسية من دعم لمطلب إشراك مغاربة العالم في الحياة السياسية، إلا أن الممارسات التنظيمية والمخرجات الفعلية تبقى بعيدة عن مستوى هذا الخطاب.
ففي كل مرة تقترب فيها الاستحقاقات الانتخابية، ترفع الشعارات ذاتها، وتجدد الأحزاب التزامها بضرورة تمثيل الجالية، لكن الواقع سرعان ما يكشف عن تراجع في لحظة اتخاذ القرار، هذا ما يؤكده بيشري عبر قوله "إن الأمناء العامين للأحزاب، سواء من الأغلبية أو المعارضة، عبروا للتنسيقية عن دعمهم للمشاركة السياسية، لكن على أرض الواقع، لا شيء يحدث".
هذا الوضع ينعكس أيضا في التزكية، فبحسب بيشري، "عند وضع الترشيحات، فإن الأحزاب السياسية تعطي الأولوية للمرشحين المحليين، على اعتبار أنهم مناضلون داخل أرض الوطن، ولذلك تظل حظوظ مغاربة العالم ضعيفة"، مضيفا أن التنسيقية اقترحت تخصيص مقاعد لمغاربة الخارج داخل مجلس المستشارين، لكن "دون جدوى".
ورغم بعض المبادرات الرمزية، مثل ترشيح حزب العدالة والتنمية لنساء من مغاربة العالم ضمن اللائحة الوطنية النسائية، أو ترشيح حزب الاستقلال لأحد أبناء الجالية في دائرة محلية بالدار البيضاء، حسب قول المرابط، فإنها لا تعكس تمثيلية حقيقية لمغاربة العالم.
ويشير المتحدث ذاته إلى نقطة مثيرة للجدل، قائلا "إن حزب العدالة والتنمية، كان قد اقترح منع مغاربة العالم، بل وحتى المغاربة عموما، الذين يحملون جنسية مزدوجة، من تولي مناصب عليا"، قبل أن يتراجع الحزب لاحقا عن هذا المقترح، الأمر الذي يراه المرابط "دليلا واضحا على أن قضية مشاركة مغاربة العالم، وخاصة حاملي الجنسيات المزدوجة، لا تحظى بما يكفي من الاهتمام داخل بعض الأوساط السياسية".
ويبدو أن المشاركة السياسية للجالية، رغم كثرة التصريحات المؤيدة، لا تزال تفتقر إلى الالتزام السياسي والتنظيمي الجاد من طرف الأحزاب، وهو ما يجعل كل توافق نظري مجرد استهلاك ظرفي، في غياب تفعيل حقيقي يرقى لمستوى التطلعات الدستورية والوطنية لمغاربة المهجر.

من يملك القرار؟
مع تكرار إخفاق محاولات إدماج مغاربة العالم في العملية السياسية، يطرح سؤال جوهري بصيغة واضحة: من يتحكم فعليا في القرار؟ هل يتعلق الأمر بعجز تنظيمي لدى الأحزاب السياسية؟ أم أن وزارة الداخلية هي التي تمسك بخيوط الملف من بدايته إلى نهايته؟ الإجابات تتقاطع عند توصيف واحد؛ الأحزاب تناور، بينما القرار الحاسم يوجد خارج نطاقها.
وفي هذا الإطار، يعتبر رئيس منتدى الكفاءات والنخب بالخارج، أن "الموضوع يتجاوز قرار الأحزاب، ويبدو أنه قرار دولة"، مضيفا أن "رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، قال لي، ذات مرة ، إن الأمر ليس في يده، وإنه يتجاوزه بكثير". هذا التصريح يعكس بوضوح موقع الأحزاب كأطراف ثانوية في معادلة القرار.
من جانبه، يقدم بيشري شهادته من داخل التجربة الترافعية قائلا "إذا كانت وزارة الداخلية هي من تقرر وتتحكم في مضمون المقترحات، فما جدوى الأحزاب إذن؟"، موضحا أن بعض الأحزاب أدرجت مقترحات لصالح المشاركة السياسية للجالية ضمن تصوراتها الانتخابية، لكنها حذفت لاحقا دون أي نقاش مؤسساتي معلن.
في خضم النقاش المستمر حول تعزيز المشاركة السياسية لمغاربة العالم، ترى وزارة الداخلية أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بانخراط فعلي للأحزاب السياسية. وفي هذا السياق، أكد عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، في جواب له عن سؤال كتابي بمجلس المستشارين، مؤخرا، أن "تعزيز المشاركة السياسية لمغاربة العالم "لن يتأتى تحقيقها على الوجه المطلوب إلا بانخراط وتضافر جهود كافة الفاعلين المعنيين، خاصة الأحزاب السياسية التي يبقى دورها محوريا في هذا الباب من خلال تقديم مترشحات ومترشحين منهم في مراكز متقدمة على مستوى لوائح الترشيح المودعة بتزكية منها".
وبعد أن ذكر بالمقتضيات الدستورية التي تضمن لمغاربة العالم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، أشار لفتيت إلى أنه "بهدف تيسير ولوج المغربيات المقيمات بالخارج إلى مجلس النواب، ثم بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021 إلزام كل حزب سياسي بوضع مترشحة مقيمة بالخارج على رأس لائحة ترشيح جهوية واحدة على الأقل تحت طائلة عدم الاستفادة من التمويل العمومي، كما تم إقرار تحفيزات مالية مهمة لفائدة الأحزاب السياسية التي تعمل على إدماج مترشحين ذكورا وإناثا من أفراد الجالية في لوائح ترشيحها المحلية المقدمة برسم انتخاب أعضاء مجلس النواب".
غير أن هذه الإجراءات، بحسب عدد من الباحثين، لا ترقى إلى مستوى إعمال المشاركة المباشرة، ولا تعوض غياب دوائر تمثيلية حقيقية في بلدان الإقامة، كما أوصى بذلك الخطاب الملكي ذاته منذ سنة 2005، وهو ما يجعل مطلب الجالية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخشاني أن القرار يعود لـ "السلطة التنفيذية" لكونها هي التي تنظم الانتخابات، مضيفا أن التفكير في تمثيلية حقيقية وفعالة لمغاربة العالم ينبغي أن يتم وفق مقاربة مؤسساتية محكمة، شبيهة بما تقوم به دول أخرى مثل فرنسا والسينغال.
وهكذا، فإن السؤال عن مصدر القرار لم يعد مسألة نظرية، بل أصبح مدخلا ضروريا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج، إذ لا يمكن تصور مشاركة سياسية حقيقية دون تمكينهم من الحق الكامل في اختيار ممثليهم، بدل اختزال حضورهم في رمزية متحكم فيها.
تمثيلية رمزية ومحدودة
حين يطرح موضوع المشاركة السياسية لمغاربة العالم، تعود إلى الواجهة التجارب السابقة ونتائج وصفت من داخل الجالية بـ"السلبية".
يرى بيشري أن ما تحقق سابقا لا يرقى إلى مستوى الطموح، قائلا " إن التعددية الحزبية مصدر قوة، لكن للأسف، هذه التعددية تنحصر فقط داخل الوطن، أما الجالية المغربية في الخارج، فليست ضمن خارطة التمثيلية السياسية".
ويعتبر أن ما يمنح لمغاربة العالم لا يتجاوز "مقاعد محدودة، رمزية، دون تمكين فعلي لمغاربة الخارج من حقهم المشروع في التمثيل والمشاركة"، قائلا "أحزابنا لم تتمكن يوما من فرض إرادتها، وعودها بلا أثر، تتكرر كل سنة، أو كل سنتين، أو كل أربع سنوات، لكن لا شيء يتحقق".
ومن جهته، يقترح المرابط "وضع لائحة لمغاربة العالم مثل لائحة النساء والشباب"، مشيرا إلى أن أي حديث عن تأسيس حزب خاص بالجالية غير ممكن عمليا، لأن توجهات أفراد الجالية السياسية مختلفة ومتنوعة، منهم من يحمل فكرا ليبراليا، أو إسلاميا أو اشتراكيا أو شيوعيا، أو غيرها، لذلك يصعب الاتفاق على برنامج سياسي موحد، وفق تعبيره.
أما الخشاني فيؤكد أن "التجربة السابقة لسنة 1984 قدمت صورة سلبية عن التمثيلية السياسية لمغاربة الخارج"، موضحا أن "الممثلين المعنيين كانوا موزعين على مساحات جغرافية شاسعة عبر العالم، ومع ذلك، لم تكن النتيجة إيجابية". ويشدد على أنه "لا بد من التعلم من هذه الأخطاء، ودراسة التجربة السابقة بعناية، للوقوف على الهفوات التي شابتها، ومعرفة ما الذي يجب تفاديه، وما الذي ينبغي تصحيحه مستقبلا".
هل تنهي الانتخابات المقبلة مرحلة الانتظارات؟
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود ملف المشاركة السياسية لمغاربة العالم إلى الواجهة، محملا بثقل التراكمات والتجارب المعطلة، ومشحونا بانتظارات ملايين المواطنين المقيمين بالخارج، الذين يطالبون بتمثيلية فعلية لا رمزية.
في هذا السياق، يشير المرابط إلى أهمية استثمار الخطاب الملكي لسنة 2024، الذي تحدث عن إعادة هيكلة مجلس الجالية المغربية بالخارج، وإحداث المؤسسة المحمدية لمغاربة العالم"، مضيفا أن "هذه الأمور تحتاج إلى تفعيل فعلي لما ورد في الخطاب الملكي، سواء من حيث تجديد هيكلة مجلس الجالية، أو من حيث الإحداث الفعلي للمؤسسة المحمدية، أو ما يرتبط بالمنظومة الكاملة التي تؤطر مغاربة العالم، بما فيها مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج وغيرها".
ويرى المرابط أن "الأمر يتطلب مقاربة شمولية للحد من تعدد المتدخلين، وإحداث شباك موحد حقيقي"، مؤكدا أن "مغاربة العالم، بما أنهم لا يتوفرون على تمثيلية داخل البرلمان، فإن من يقترح السياسات في هذا الشأن لا يعرف حقيقة واقعهم ولا عمق انتظاراتهم".
أما بيشري، فيعبر بوضوح عن فقدان الثقة، مشددا على أن "الإرادة السياسية غير موجودة إطلاقا، وهذا الغياب أفرز أزمة ثقة عميقة، لم نعد نصدق الخطابات الرنانة، ولم نعد نرى في الكلام المتكرر إلا فراغا"، متسائلا "إذا استمرت وزارة الداخلية في لعب الدور الحاسم، فما فائدة الأحزاب السياسية أصلا؟".
في المقابل، يؤكد لفتيت، في جوابه أن "الحكومة تظل منفتحة على كل اقتراح بناء يهدف إلى تقوية المشاركة الانتخابية لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج في إطار ما يتيحه دستور المملكة".
وأوضح أن "المنظومة الانتخابية الوطنية تكفل، وفقا لأحكام الدستور، لأفراد الجالية حق التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة والمشاركة تصويتا وترشيحا في جميع الاستحقاقات الانتخابية المجراة بتراب المملكة".
غير أن هذا الجواب، الذي يؤطر المشاركة داخل حدود المملكة فقط، لا يحمل أي جديد حول إحداث دوائر خاصة بالخارج، كما دعا إلى ذلك الملك محمد السادس سنة 2005.
ويرى بيشري أن المدخل الحقيقي لتمثيلية مغاربة العالم هو إحداث دوائر خاصة بالخارج، قائلا إن "الدولة حين تكون لها الإرادة، فإنها قادرة على إحداث دوائر بالخارج وضمان مشاركة فعلية للجالية"، واستدل على ذلك بما جرى في استفتاء 2011، حيث "تمت تعبئة القنصليات بشكل نموذجي، ومكن ذلك من تصويت واسع للجالية في ظروف جيدة"، مشددا على أن "تخصيص دائرة خاصة بمغاربة العالم ممكن، بل ويمكن تطويره إلى التصويت الرقمي".
ويتساءل عضو مجموعة عمل المواطنة والمشاركة السياسية بمجلس الجالية قائلا "بعد تجربة 1984، هل هناك تخوف أو حساسيات لا نعرفها؟"، قبل أن يؤكد أن "حليفنا الحقيقي في هذا الورش هو "سيدنا" الذي ما فتئ يدعو منذ خطاب 2005 إلى تمكين مغاربة العالم من حقوقهم السياسية الكاملة".
وإزاء هذا التباعد بين الخطب الملكية والواقع التشريعي، فإن الاستحقاقات المقبلة تمثل فرصة حاسمة لاختبار مدى استعداد الدولة والأحزاب والمؤسسات لتصحيح المسار، كما تعد لحظة فارقة لرد الاعتبار لملايين المغاربة الذين يربطهم بالوطن انتماء لا ينال منه بعد المسافات.