كشف رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، رشيد حموني، أن الحكومة تعجز عن الوفاء بمعظم التزاماتها، فبفعل الغلاء المتواصل في أسعار معظم المواد الاستهلاكية والخدمات، تراجعت القدرة الشرائية لحواليْ 80 في المائة من الأسر المغربية، وأقل من 2 في المائة من الأسر لها القُدرة على الادخار. ورغم التحسُّن الطفيف في معدل التضخم إلاَّ أن الأسعار لم تعد إلى سابق عهدها.
وأوضح حموني، من خلال ورقة سياسية تقييمية بخصوص السنة الانتدابية، التشريعية والحكومية، 2024-2025، اطلع "تيلكيل عربي" على نسخة منها، أن معظم إجراءات الدعم الحكومي لم يكن لها أثر، أو أن أثرها محدود جدا ويذهب إلى فئة معينة، عوض عموم المواطنين، من قبيل: دعم أرباب النقل بنحو 8,6 مليارات درهم؛ والدعم المتواصل لحد الآن لمستوردي المواشي بـ 13 مليار درهم، إلى حدود أكتوبر 2024 فقط.
وعلى مستوى الحكامة الجيدة، أفاد حموني أن بلادنا تراجعت في مؤشرات إدراك الفساد ومكافحته، خلال السنوات الأخيرة، بسبب استمرار عدد من مظاهر الريع والاحتكار والمضاربات والتفاهمات غير المشروعة وتضارُب المصالح. ولم تُرجِع الحكومة مشاريع القوانين التي سحبتها من البرلمان في بداية ولايتها (الإثراء غير المشروع؛ المناجم؛ احتلال الِملك العمومي المؤقت)، وهي نصوص لها علاقة بمكافحة الريع والفساد (الفساد يكلِّف بلادَنا حواليْ 50 مليار درهم في السنة).
وفي ما يتعلق بالتعليم، ذكر حموني أن تجربة مدارس الريادة فيها مخاطر تكريس الفوارق في التعليم؛ وليس هناك أهم إصلاح، وهو إصلاح المناهج والبرامج، والنهوض الحقيقي بالمدرسة العمومية.
وعلى مستوى التغطية الصحية فشل ورش التعميم، حيث يوجد 8.5 ملايين مواطن خارج التغطية الصحية؛ وما يناهز 80 في المائة من مرجوعات صناديق التغطية الصحية تعود إلى القطاع الصحي الخصوصي، على حساب المستشفى العمومي الذي يتعين أن يكون هو عماد المنظومة الصحية؛ ونحو 60 في المائة من نفقات العلاج يؤديها المواطن؛ واستمرار الغلاء الكبير للأدوية، مع الاعتماد أكثر على استيرادها.
أما بخصوص الدعم الاجتماعي المباشر، فأشار حموني إلى الاعتماد على عتبات إقصائية؛ وتوقيف الدعم عن آلاف الأسر؛ وحذف برامج اجتماعية سابقة؛ وعدم الوفاء بمدخول الكرامة للمسنين؛ وعدم إعطاء الحكومة أي تصور حول طريقة إدماج ملايين المستفيدين من الدعم المباشر في عجلة النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
وفي شأن الفقر والهشاشة والتفاوتات المجالية، لفت الانتباه إلى أنه رغم التحسُّن النسبي لمعدلات التضخم، لا يزال الغلاءُ فاحشاً؛ و2.5 مليون مواطِن في وضعية فقر، و3 ملايين في وضعية هشاشة، مع انزلاق 3.2 ملايين مواطن نحو الفقر أو الهشاشة؛ وثلاثة أرباع الفقراء يوجدون في العالم القروي؛ و60 في المائة من الثروة الوطنية تتركَّز في 3 جهات.
وبالنسبة إلى المسألة الاقتصادية والتشغيل، ذكر حموني أنه رغم التحسُّن النسبي لمعدل النمو في 2025، والتراجع الطفيف في نسبة البطالة، أساساً بفعل الأمطار وتحسُّ الأسعار في الأسواق العالمية، ورغم ميثاق الاستثمار الجديد، فإن الحكومة بعيدة عن تحقيق التزامها بتوفير مليون منصب شغل، وتقترب نسبة البطالة لدى الشباب من 40%، ولا يزال الاستثمار العمومي والخصوصي غير متكافئ التوزيع مجاليا، كما أن معدل النمو في الثلاث سنوات الأخيرة لا يتجاوز 2.6%.
وسجل حموني بالنسبة للمسألة الديموقراطية والثقة، أنه بسبب الضُّعف السياسي للحكومة، وعدم تفاعلها الاستباقي مع المشاكل الاجتماعية، وعدم اعتمادها على التجاوب اللازم مع القنوات المؤسساتية والوسائط المجتمعية، هناك مزيدٌ من تعمُّق ظاهرة عزوف الشباب؛ واحتدام مؤشرات الاحتقان؛ والفراغ السياسي الذي من مظاهره ضُعف النقاش العمومي.
وأضاف قائلا: "للأسف، فشلت "المعارضات" في مبادرة تقديم ملتمس للرقابة، على الأقل لفتح نقاش عمومي ومؤسساتي، وذلك رغم تنازلات فريقنا النيابي ومجهوداته المضنية من أجل تقريب وجهات النظر. والجميع يعلم المكوِّن الذي أقبر المبادرة بشكلٍ رسمي في وقتٍ كانت تسيرُ فيه الأمور نحو الاتفاق على الإجراءات والحيثيات".
وفي سياق متصل، قال حموني، إن الفريق النيابي واصلَ تقديم مقترحات قوانين، نوعية وبأفكار واضحة وهادفة، تهمُّ قضايا أساسية (مراقبة الأسعار وضبط سلاسل الإنتاج والتوريد؛ حماية الطفولة من مخاطر الرقمنة؛ تقوية الشراكة بين المجتمع المدني والجماعات الترابية؛ الارتقاء بالتمثيلية النسائية في المؤسسات المنتخبة؛ عدالة توزيع الإشهار العمومي؛ الحد من آفة التدخين؛ تحسين مدونة السير...).
وأشار إلى أن الفريق صادق بالإيجاب على عدد من مشاريع القوانين التي قَدَّرَ سياسيا أنها إيجابية. ويتعلق الأمرُ، فضلاً عن مشاريع القوانين المصادق بموجبها على اتفاقيات دولية، بمشاريع تهمُّ الصحة؛ المحاكم المالية؛ التنظيم القضائي والنظام الأساسي للقُضاة؛ حماية التراث؛ جبايات الجماعات الترابية؛ التوظيف الجماعي للقيم المنقولة.
وأضاف حموني، أن الفريق صادق بالإيجاب مؤخراً على مشروع قانون يتعلق بإحداث مؤسسة المغرب 2030، كآلية مؤسساتية، معمول بما يماثلها في التجارب المقارنة، من شأنها ضمان فعالية والتقائية وتنسيق التدخلات العمومية تحضيراً لتنظيم بلادنا لكأس العالم 2030.
وفي ما يتعلق بمواقف الفريق من أبرز النصوص التشريعية، ذكر حموني، أنه تم التصويت بالرفض على قانون المالية 2025، لأنه رغم إيجابياته القليلة، ورغم توجهاته المعلنة، فهو لا يستجيب للانتظارات، ولم تَقبل الحكومة، بشكلٍ ممنهج، عشرات تعديلات الفريق.
وتم التصويت ضد القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب، لأنه رغم بعض إيجابياته، فهو ظل على العموم نصاًّ تكبيلياًّ لحقٍّ دستوري وكوْني. وقد تم التصويت ضد قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، واعتبرناه تراجعاً غير ديموقراطي وغير دستوري عن فلسفة التنظيم الذاتي والمستقل للحق الإعلامي الوطني.
وأشار المصدر ذاته إلى أنه تم التصويت برفض قانون المسطرة الجنائية، رغم بعض إيجابياته، لأن الحكومة لم تتفاعل كفايةً مع 170 تعديلاً للفريق، ولا تزال في النص ثغرات، لا سيما على مستوى دور المجتمع المدني في تحريك دعاوى تتعلق بالمال العام، وعلى مستوى تحصين قرينة البراءة، وضمان كل شروط المحاكمة العادلة؛ وتوفير التوازن بين أطراف الدعوى القضائية. وسجل تصويت الفريق ضد مشروع قانون المسطرة المدنية بسبب تقييد الولوج إلى الحق في التقاضي، واختلالات التبليغ والتنفيذ، وهيمنة هواجس التقاضي بسوء نية الموجِب للتغريم.
وفي ما يخص تعامُل الحكومة مع الاختصاص الرقابي لممثلي الأمة، أفاد حموني أن "الفريق النيابي، سعى إلى جانب مكونات معارِضَة أخرى بمجلس النواب، نحو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، حول "قضية رأي عام" هي ما يُعرف إعلاميا بـ"الفراقشية". لكن الحكومة، من خلال أغلبيتها، عرقلت المبادرة ورفضت الانخراط فيها، وتلتفُّ حولها بـ"مهمة استطلاعية" لا يمكن أن تصل إلى "الخواص" لمعرفة الحقيقة وللتحقق من الاختلالات. ولذلك اتخذ الفريقُ موقف عدم الانخراط في هذه المهمة الاستطلاعية والتشبث، في المقابل، بضرورة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق".
وأبرز حموني أنه رغم التحسُّن المسجل لا يزال عددٌ كبير من أسئلة البرلمانيين الموجهة للحكومة دون جواب، في خرقٍ للدستور، وعدد كبير من أجوبة الحكومة على أسئلة البرلمانيين تأتي متأخرة جدًّا زمنياًّ، وبمضامين عامة وفضفاضة، مع استثناءات إيجابية قليلة لبعض القطاعات.
وتابع قائلا: حضور محدود من الحكومة إلى جلسات المساءلة الأسبوعية والشهرية، بما يشكل خرقاً للدستور، واستهتاراً بالأدوار التمثيلية للبرلمانيين وبالقضايا التي يطرحونها، وهي نفس القضايا التي لا يتم التجاوب الحكومي معها إلا بعد الاحتجاج المباشر في المجتمع (حالة آيت بوكماز، وسابقاً أزمة كلية الطب، أزمة التعليم، نموذجاً).
وكشف حموني أن الحكومة لا تستجيبُ، بالوتيرة اللازمة، لطلبات عقد اجتماعات اللجان في شكلها الرقابي. أو تَحضُرُ بعد برمجة مواضيع متعددة ومتراكمة، بما يُفقِدُ المواضيع راهنية مناقشتها، وبما يُحوّل اجتماعات اللجان إلى ما يشبه جلسات الأسئلة.