كشف المفكر وعالم الاجتماع التونسي، الطاهر لبيب، أن "ثقافة اللامعنى" التي شخص بها الحالة العربية، تجد أبرز تجلياتها في انهيار اللغة ذاتها، خاصة في الخطابين السياسي والإعلامي، حيث تم تفريغ الكلمات من أي مضمون حقيقي لتصبح مجرد طقوس صوتية لا أثر لها.
خلال محاضرته الفكرية في مهرجان "ثويزا" بطنجة، عشية الجمعة، بطنجة، قدم لبيب أمثلة حية من الواقع اليومي على "موت المعنى" في اللغة، معتبرا أن هذه الأزمة اللغوية ليست مجرد قضية أسلوبية، بل هي أداة تساهم في تسطيح الفكر وتزييف الوعي.
بدأ لبيب بتحليل التعابير المستهلكة في الخطاب السياسي العربي، والتي أصبحت، بحسبه، "تعابير لا معنى لها".
وضرب مثالا ببيانات جامعة الدول العربية التي تستخدم بشكل دائم كلمتي "الشجب والتنديد"، وتساءل بتهكم: "شو الشجب؟ شو من تشجب؟ من تندد؟ وهو يعرف مسبقا أن لا أثر لما يقول، ولكنه يقول، فهو مثل الذي لا يقول شيئا، ولكن يريد أن يقول هذا اللاشيء".
وانتقد عبارة "البلدان الشقيقة والصديقة"، معلقا بسخرية: "يا ريت نكون صديق، ما نحبش نكون شقيق"، في إشارة إلى أن كلمة "شقيق" ارتبطت بالشقاق والمشاكل أكثر من الأخوة الحقيقية، مما أفقدها معناها الأصلي.
وأوضح كيف تم استخدام "اللامعنى" لتغيير الوعي بقضية مركزية كالقضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن القضية "اهترأت بين أشداق الزعماء السياسيين" ليس فقط عبر تكرارها، بل عبر التلاعب اللغوي في تسميتها.
فصل لبيب هذا التحول، مبرزا أنه "قبل كان يسمى الصراع العربي-الفلسطيني، بعد ذلك لم يعد عربيا وأصبح الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وبعد تال، أصبح الصراع الإسرائيلي-الغزاوي".
وحذر من أن هذا التلاعب ليس بريئا، مؤكدا أن "إسرائيل استفادت كثيرا من هذه التسميات"، لأنها قدمت نفسها للعالم على أنها قوة كبرى في مواجهة فصيل صغير في غزة، بدلا من كونها في مواجهة مع العالم العربي بأكمله.
وهنا، كما يقول لبيب، "نرى خطورة اللامعنى"، حيث تصبح اللغة أداة مباشرة لتغيير موازين القوى في الوعي العالمي.
أشار لبيب إلى أن هذا الموت للمعنى يظهر في تكرار الكلمات المفخمة والكليشيهات التي لا تحمل أي وصف دقيق، مثل وصف أي حشد ب"جمهور غفير"، وأي زعيم ب"الزعيم الأوحد"، بالإضافة إلى الاستخدام المفرط لـ"أفعال التفضيل" في المدح والهجاء، مما يحول اللغة إلى مجموعة من القوالب الجاهزة التي تعفي المتحدث والمستمع من عناء التفكير.
بهذا التحليل، يخلص الطاهر لبيب إلى أن أزمة الفكر في العالم العربي هي في جوهرها أزمة لغة، وأن استعادة المعنى تبدأ أولا من استعادة صدق الكلمات وقيمتها.