أوضح السوسيولوجي الطاهر لبيب أنه "يقال إن من أمزجة السوسيولوجيين أنهم مشوشون، وأنهم يجدون في التشويش على الأفكار السائدة سبيلا لخلق معنى جديد، ربما لهذا السبب، حين وضع أمامي شعار براق ومتفائل مثل الإنسان هو الحل، كان أول ما فعلته هو التساؤل والتشويش على هذا اليقين".
وأضاف الطاهر لبيب في مداخلته خلال الندوة الختامية لمهرجان ثويزا، التي حملت شعار الإنسان هو الحل، الأحد المنصرم، "لقد حيرني هذا العنوان، لأن الإنسان الوحيد الذي أعرفه وألتقيه كل يوم هم الناس، لم يعترضني يوما في الشارع شخص اسمه الإنسان وصافحني، لكن الناس يسلمون علي".
الندوة، أدارها، المفكر أحمد عصيد، وشارك فيها، المؤرخ محمد جبرون، والفيلسوف محمد المصباحي.
وتابع: "هذا الإنسان المجرد الذي نحتفي به، أراه مفهوما ميتافيزيقيا، بل أراه أقرب إلى تعويض نفسي بالمعنى الفرويدي للكلمة، فعندما نعجز كناس عن إيجاد الحلول، نهرب إلى الاحتماء بفكرة الإنسان الكبرى".
وأبرز أنه "في ثقافتنا العربية نخشى القطيعة، نحن نقدس التراكم، ونريد أن نجر الماضي كله معنا، نظن أننا سنقع إن لم نتكئ على عكاز الماضي، لكني أقول إن التاريخ لا يتحرك بالتراكم، بل بالقفزات، إذا أردت أن تحرك التاريخ، عليك أن تقفز، أن تخطو خطوة بعيدة، قوية وراديكالية".
وللتدليل على ذلك، قرأ نصا لـ"إخوان الصفا": "الإنسان المثالي هو فارسي النسب، عربي الدين، حنفي المذهب، عراقي الأدب، عبراني المخبر، مسيحي المنهج، شامي النسك، يوناني العلوم، هندي البصيرة، وصوفي السيرة".
وتساءل لبيب، "هل اعترضكم يوما شخص بهذه التركيبة الغريبة؟"، ليجيب بأن الثقافة العربية في ذلك الوقت "سمحت لنفسها بهذا التعريف المركب لأنها كانت قوية، قوية جدا"، على عكس الحالة الراهنة.
وأورد: "عندما أنظر إلى واقعنا اليوم بعين السوسيولوجي، لا أرى هذا الإنسان المثالي، بل أرى ما أسميه إنسانا بلا إنسانية، وأتساءل بمرارة، من يرى أشلاء الأطفال في غزة ويقول للمجرم واصل القتل، ما علاقته بالإنسانية؟ هذا هو التجسيد القاطع لإنسان بلا إنسانية".
ويرى أن هناك "إنسانية ضد الإنسان تتمثل في قيم الغرب المزدوجة، الذي يكون ديمقراطيا في بلاده، ومجرما متسلطا خارج حدوده".
وأكد أن "هذه الأزمة تدفعني إلى مراجعة قناعاتي كأستاذ جامعي، كيف لي أن أدرس الفيلسوف هيجل اليوم بنفس الحماس، وأنا أعلم أنه كتب في كتابه العقل في التاريخ ما معناه: ليت فرنسا تحتل بقية شمال أفريقيا كما فعلت بنجاح في الجزائر؟ إن هذه الكوارث التي نعيشها، وفي مقدمتها مأساة غزة، تجبرنا على إعادة النظر في كل ما كنا نؤمن به وندرسه من مرجعيات فكرية".
وأفاد أنه "في النهاية، قد تسألونني: أين الحل إذن؟ جوابي هو أن كل هذا النقاش يبقى بلا جدوى إن غاب الشرط الأول والأساسي لكل شيء، الحرية، ليست فقط حرية التعبير التي قد تتحول إلى فوضى، بل حرية الفكر العميقة، فبدون حرية التفكير الحقيقية، لا يمكن لأي مجتمع أن يتطور، ولا لأي ناس أن يجدوا حلولا حقيقية".