قدّم المفكر وعالم الاجتماع البارز التونسي، الطاهر لبيب، تشخيصا جذريا للحالة العربية، معتبرا أنها تجاوزت مرحلة "الأزمة" لتدخل في طور "العبثية" الفلسفية، وأن ما يحدث في فلسطين اليوم، وتحديدا في غزة، هو الدليل الأكثر سطوعا ومرارة على هذا الواقع.
جاء ذلك خلال ندوة فكرية حول ندوة "التفكير في اللامعنى.. محاولة لفهم ما يجري"، عشية أمس، ضمن فعاليات مهرجان "ثويزا"، حيث طرح لبيب رؤيته التي تربط بين تآكل المعنى في الفضاء العام العربي وبين العجز الذي يواجه القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
يرى لبيب أن الوضع العربي لم يعد مجرد أزمة مجتمعات، بل هو "وضع عبثي" بالمعنى الفلسفي للكلمة، حيث الغربة عن الزمان والمكان هي السمة الطاغية.
وشبّه هذا الوضع بمسرحية "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت، مشيرا إلى أن "العرب اليوم لا يعرفون مكانهم في العالم، ولا يعرفون زمانهم، هل نحن في الأمس أم اليوم أم أن الغد قد مر دون أن ننتبه؟".
هذه "العبثية"، بحسب لبيب، هي أحد أبرز أعراض انتشار "ثقافة اللامعنى"، وهي ثقافة تقوم على تسطيح الفكر وتفريغ المفاهيم من قيمتها، وتجد في الخطاب السياسي العربي مثالها الأبرز.
لم يقتصر تحليل لبيب على نقد المواقف السياسية، بل غاص في عمق اللغة المستخدمة لوصف الصراع، معتبرا إياها مثالا صارخا على خطورة "اللامعنى"، فقد أشار إلى أن الصراع تحول من "صراع عربي-إسرائيلي" إلى "صراع فلسطيني-إسرائيلي"، ثم تقلص مؤخرا ليصبح "صراعا إسرائيليا-غزاويا".
وبرأيه، فإن هذا التلاعب بالمصطلحات ليس بريئا، بل هو "لامعنى" مقصود استفادت منه إسرائيل كثيرا، حيث قدمت نفسها للعالم على أنها قوة كبرى محاطة بفصيل صغير في غزة، بدلا من كونها في مواجهة مع أمة عربية بأكملها، وهو ما يمثل ذروة "خطورة اللامعنى" وتأثيره المباشر على تصور العالم للقضية.
واعتبر أن المشهد التراجيدي الحالي في غزة هو ذروة هذه العبثية، حيث يقف العالم العربي موقف المتفرج، مشيرا لبيب إلى أن "العرب يتفرجون كما كانوا يتفرجون على تراجيديا يونانية، جالسين على الكراسي".
وأكد الطاهر لبيب أن ما يحدث في غزة لم يعد مجرد حدث مأساوي، بل هو لحظة كاشفة وفاضحة، مصرحا: "أعتقد أن غزة عرت وفضحت اللامعنى العربي الذي كان يتقنع بقناع المعنى".
بالنسبة له، لقد أسقطت هذه المأساة قناع الوحدة والقوة الزائف، وكشفت عن فراغ هائل في المعنى والفعل، تاركة الوضع العربي عاريا أمام حقيقته.
وفي نظرة نحو المستقبل، تساءل لبيب عن طبيعة المعنى الذي سيخرج من رحم هذه المعاناة، قائلا: "لا نعرف ما هو المعنى الذي سيبنيه من سيتبقى من أطفال فلسطين؟ كيف سيبنونه؟"، مؤكدا أنه سيكون معنى جديدا كليا، لا يشبه المعنى السائد اليوم.
وللإجابة على سؤال 'لماذا وصلنا إلى هنا؟'، يرجع لبيب هذا الانهيار في المعنى إلى تراجع 'السرديات الكبرى' التي كانت تؤطر الفكر العربي في منتصف القرن العشرين، مثل المشروع القومي أو الاشتراكي.
بحسبه، شهد الفضاء العام تراجعا لدور "المثقف صاحب المشروع" الذي كان ينتج المعنى، ليحل محله "الخبير" و"التقنوقراطي" الذي يقدم حلولا تقنية لكنه لا يقدم رؤية أو معنى.
هذا الفراغ الهائل هو ما سمح لـ"ثقافة اللامعنى" بأن تتمدد وتملأ كل شيء، وتصبح هي الثقافة السائدة التي نرى تجلياتها في الموقف من قضايانا المصيرية.
واختتم مداخلته بعبار تلخص رؤيته للمستقبل العربي المرتبط بما يحدث اليوم، حيث قال: "سيأتي يوم يقول فيه العرب، أكلنا يوم أكل المعنى في غزة".