حوار.. لبكر: احتجاجات "جيل زد" ليست سوى مخرجات طبيعية لمدخلات غير سوية

خديجة قدوري

في مبادرة تجسد انعطافة في مسار الأحداث، شهدت عدد من المدن المغربية في الآونة الأخيرة، احتجاجات مكثفة يحمل من خلالها ما بات يعرف بجيل "زد" مطالب ترتبط أساسا بإصلاح شامل للتعليم والصحة، وتوسيع فرص العمل، ومحاربة الفساد.

وقد وجهت حركة "جيل زد" مذكرة مطلبية إلى الملك محمد السادس، كشفت ملامح الوضع الراهن، ودعت إلى تدخل عاجل لإعادة الثقة بين المواطنين والدولة.

في هذا الصدد، أجرى موقع "تيلكيل عربي" حوارا مع رشيد لبكر، المحلل السياسي وأستاذ القانون العام.

إلى أي حد يمكن اعتبار احتجاجات "جيل زد" مؤشرا على فشل قنوات الوساطة التقليدية، كالأحزاب والنقابات في استيعاب مطالب الشباب؟

من المؤكد أن "جيل زد"، كما تفضلت بالقول، يؤشر على فشل قنوات الوسائط التقليدية وانحسار أفق الشباب وغياب أسس التنشئة السوسيو- سياسية السليمة. وفي اعتقادي، هذه الاحتجاجات ليست سوى مخرجات طبيعية لمدخلات غير سوية، وها نحن اليوم نجني الحصاد، الذي تتحمل مسؤوليته كل من الأحزاب والدولة على حد السواء.

الأحزاب باعتبارها إحدى أهم الوسائط في التكوين السياسي والتأطير المجتمعي خانت وظيفتها، بعدما تحول العديد منها الى دكاكين انتخابية وأصبح المقعد عندها مقدما على المبدأ، وفتحت أبوابها على مصراعيها لكل من هب ودب فاختلط فيها الحابل بالنابل والغث بالسمين، حتى هجرها مناضلوها الأقحاح ومنظروها الحقيقيون، لتتحول إلى كيانات بلا روح ولا معنى.

أما الدولة فتتحمل، بدورها، المسؤولية، لأنها عالجت مرحلة الصراع بين الأحزاب والنظام، في فترة من فترات تاريخنا السياسي المعاصر، باختراق الأحزاب الوطنية وإفراغها من الداخل وبلقنة المشهد السياسي وإغراقه بعدد كبير من الأحزاب بدعوى التعددية، ولكنها أبعد ما تكون عن التعددية كنظرية تساهم في رعاية التعدد وحفظ الاختلاف، وليس كما نراها اليوم، أحزاب لا تفتح أبواب حوانيتها إلا في المواسم الانتخابية، ليبقى الشباب، في الأخير، خارج إطار المعادلة ومن هنا جاء الفشل.

هل ترون أن طبيعة التعبئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي منحت "جيل زد" زخما خاصا؟

ليس في ذلك شك، ولعل هذا هو السبب الذي جعل هذه الحركة تسمي نفسها بـ"جيل زيد"، يعني جيل العالم الرقمي والمواقع الافتراضية، الذي لا يؤمن بالحدود ولا تعوقه الحواجز، جيل يجعل من الطفرة الرقمية العقيدة التي يؤمن بها ويعتمد عليها في كل شيء، وهذا ما سهل عليه، بالفعل، الوصول إلى أكبر عدد من الشباب المستهدف.

ومن جهة أخرى، طرح إشكالات أكثر تعقيدا أمام الدولة، من حيث مراقبة ما يدور في هذه المنتديات وكيفية رصدها وتتبعها. هذا إذن واقع جديد، بآليات حديثة وبتحديات غير معهودة، وتحدياتها سيزداد حجمها يوم بعد آخر، وبالتالي يجب من الآن الاستعداد لهذا الواقع والبحث عن طرق بديلة في كيفية التعامل معه.

برأيكم، ما التداعيات السياسية المحتملة لهذه الأحداث على العلاقة بين الدولة والمجتمع، خاصة في ظل حساسية الظرف الاجتماعي والاقتصادي الراهن؟

ذلك رهين بكيفية تعامل الدولة وتفاعلها مع هذه الأحداث، فمن جهة، يمكن النظر إلى هذه الاحتجاجات من زاوية إيجابية وبأنها تؤشر على انفتاح الدولة وارتفاع منسوب الديمقراطية وحرية التعبير، ذلك أن الاحتجاجات التي تتم في احترام للقانون هي بحد ذاتها ظاهرة مجتمعية صحية، كونها تخبر المدبر بأن ثمة أشياء ليست على ما يرام يجب الانتباه إليها.

المشكل يطرح عندما تخطئ الدولة في التعامل مع هذه الاحتجاجات، أو عندما تركب أطراف أخرى على هذه الأخيرة وتصبح هدفا لاختراقات ذات أجندات معينة، ففي الحالتين معا، يصبح مشكل التأثير   على سلمية العلاقة بين الدولة والمجتمع مطروحا بالفعل، وعليه، من اللازم اتخاذ احتياطات كبيرة جدا من قبل أجهزة الدولة بالخصوص في كيفية التعامل مع الاحتجاجات لاسيما إذا اتخذت مسارا غير صحيح، مع الإشارة إلى أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية إذا لم تصاحبها إجراءات احتواء ملموسة، في شكل استجابة فورية، عملية وواقعية لبعض المطالب وفتح كل القنوات أمام النقاش العمومي كي يفهم الطرفان بعضهم بعضا.

الشيء الذي يساهم في تبديد نقط الخلاف، ومن ثم إيجاد تسوية تحظى بالتوافق وتحفظ أسس العلاقة بين الدولة والمجتمع حتى تكون كما يجب لها أن تكون، علاقة مبنية على الثقة والجدية والمصداقية، وهنا لا بد من الرجوع إلى السؤال الأول، لنعيد التأكيد، على أن الظرفية أضحت تدعو، أكثر من أي وقت مضى، إلى إيجاد أحزاب قوية، ديموقراطية، وطنية وفاعلة، باعتبارها المؤسسات الرسمية المعول عليها في القيام بأدوار الوساطة وامتصاص التوترات وتأطير الاحتجاجات.