الجزء الثاني.. ماذا تغير بعد سنة 1999

هادي معزوز

عطفا على الكرونيك السابق الذي كان عنوانه "ماذا تغير بعد سنة 1900 ـ

يقول تايلر ديردن في فيلم fightclub الصادر سنة 1999 عبارة مستلهمة من الفلسفة الرواقية ومن فلسفة نيتشه:

Les choses que tu possèdes finissent par te posséder

لماذا تمت الاستعانة بفلسفة غابرة؟ هل يعني أنها لم تُفهم في حينها؟ هل يعني أن الرواقية لم تكن صالحة في ذلك الإبان؟ هل يعني أن عصرنا في حاجة إلى فلسفات زينون وسنيكاوأوريلوإبكتيت بدل ما يكتب الآن؟ ما علاقة هذه الأسئلة تحديدا بعام 1999؟ ولماذا تم التوسلبفيلم يكاد يصور لنا فكرة الإنسان الأعلى الذي ينتهي به المطاف إلى التيه؟ هل هي قراءة نقدية أو بالأحرى رد نقدي وقاس لهابرماس الذي لازال يؤمن بأن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد؟

أين تكمن قوة الحداثة/الرأسمالية التي ألهمت هرما سينمائيا من طينة دافيد فينشر، كي يقدم لنا فيلما لا يُشاهد، بل يُبتلع كما هو دون زيادة أو نقصان؟

يمكن الجواب بما يلي: الحداثة/الرأسمالية رد مُبطّن على مدى إمكانية تدريب الذات أمام المغريات التي ما إن تنتهي حتى تبدأ من جديد، لكن إذا تمعنا فيها جيدا، سنجد أنها تكاد لا تكون، شأنها في ذلك شأن السراب أو قوس قزح الذي ما إن نقترب من موضعه مثلما كنا نعتقد، حتى ينتقل بقدرة قادر إلى موضع آخر، وهكذا دواليك إلى أن يختفي تماما كأنه لم يكن.

يتحدث إبكتيت في هذا الشأن عن قاعدة رواقية تُميز بين ما هو في قدرتنا وما ليس في قدرتنا. فأما الطرف الأول فيمكن تلخيصه في الحكم والرغبة والدافع من أجل الفعل. أما الثاني وهو سبب تعاسة الإنسان، فإنه يرتبط بالصحة والثروة والسلطة... سنلاحظ أن الطرف الأول داخلي عكس الثاني.

لنعد إلى الحداثة/ الرأسمالية كي نجد أنها تقوم دوما على الاستهلاك وطلب المزيد، إذ ما إن تنتهي من الثروة حتى تسعى إلى السلطة، وما إن تنتهي منهما معا ـ هذا إذا كانت لهما نهاية ـ حتى تسعى إلى المتع بشتى أنواعها!

لنعد إلى الفيلم كي نربط بينه وبين الرواقية والحداثة/ الرأسمالية.

الظاهر أن بطل الفيلم إدوارد نورتون، أو مثلما يصوره لنا الفيلم كشخصية بدون اسم ـ وإن كانت الراوي والبطل في آن واحد ـ يمثل لنا إنسان الأزمنة الحديثة: موظف وسيم يسكن شقة جميلة أنفق عليها مالا وفيرا كي تناسب ذوقه، أو بالأحرى الذوق الذي تشجعه الرأسمالية وتعتبره عنوانا للترف والأناقة، لكن مفعوله سيزول حينما يتحقق على أرض الواقع، مثل قصة قوس قزح! هذا الرجل ببدلاته التي تلائم موظفا مستقلا ماديا ومعنويا، سيقع في مشكل عويص حينما سيصاب بالأرق، لينظم إلى مجموعات دعم المرضى، وهناك سيلتقي بمارلا سينجر، ثم بعد ذلك بالرجل البوهيمي الغامض تايلر ديردن بائع الصابون. ستُتوج علاقة الاثنين بتأسيس ناد للقتال يلتقي فيه رجال لا يقلون عنهم اضطرابا لتفريغ عنفهم وكسر فراغهم الوجودي الذي يعانون منه، إلا أن الكمّ سيتحول إلى كيف بقوة قانون الديالكتيك، حينما سيتطور نادي القتال إلى حركة فوضوية ومنظمة في الوقت عينه، غايتها تدمير البنية الرأسمالية للمجتمع. عند نهاية الفيلم سنكتشف أنه ليس ثمة فرقا بين الراوي البطل وتايلر ديردن، وأنهما يمثلان نفس الشخصية، بينما يعود ذلك إلى الانفصام الذي أصيب به البطل حين رأى في نفسه القدرة لا على بلوغالإنسان الأعلى الذي بشر به نيتشه فحسب، بل على تجسيده أيضا. في حين كان ديردن يُمثل الجانب المتمرد والفوضى المكبوتة الراغبة في التحرر من قناع الطاعة التي جعلته الحداثة/ الرأسمالية طبعا بعدما كان تطبُّعا.

سنفهم من الفيلم أنه بمثابة تشخيص للانشطار والتمزق الذي أصاب إنسان الأزمنة الحديثة، لكننا سنجد فيه نفحة نيتشه التي بنت العالم على أساس التوازن بين قوى ديونيزوس التي تعلي من التمرد والفوضى، وقوى أبولون التي تنشد الانسجام والنظام. إنه صراع غريب بين الحفاظ على الذات التي يراها المجتمع، وتلك التي يخشاها الإنسان في نفسه. من سينتصر أخيرا؟

الجواب في كرونيك الأحد المقبل!