الحكم الذاتي.. و"دار الورثة"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

يوم أمس الثلاثاء، نشر مصطفى سلمى، المسؤول الأمني السابق داخل جبهة "البوليساريو"، تدوينة على حسابه الشخصي بموقع "فيسبوك"، جاء فيها:

"المغرب الملكي يجري مشاورات مع قواه الحية ويطلب آراءهم حول المقترح المحين الذي سيرفعه إلى الأمم المتحدة. وقيادة الجبهة (الشعبية) تقر ما تشاء، ترفض وتقبل كيف تشاء، ولا تعود لمن تدعي تمثيلهم إلا في حالة الاستعراضات الفلكلورية!"

تدوينة نشرت مرفقة بصورة اجتماع مستشاري الملك ووزيري الداخلية والخارجية بقيادات الأحزاب السياسية، تنزيلا للتوجيهات الملكية بشأن إعداد مقترحاتها حول مستقبل الحكم الذاتي بالصحراء المغربية...

من المهم جدا، أن يسوق قيادي سابق في الجبهة الانفصالية لاختيار المغرب منطقَ التشاور حول المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني أيضا... للأقاليم الجنوبية.

من المهم جدا، أن يبنى التصور على أسس متينة، تؤكد للعالم أن القصر، وإن كان الضامن الأول للسيادة والفاعل الأول في تحصين الوحدة والمتحرك الأول لأجل نهج دبلوماسي فعال، فإنه في لحظة الانتقال نحو حصد مقدمات المكاسب يعود للقواعد.

ومن المهم جدا، أيضا، جعل هذه اللحظة التاريخية من حاضر ومستقبل المملكة، أشبه بتمرين على ما يمكن أخذه وما يجب تركه على هامش التحولات.

هذه الأسس الثلاثة التي ترافق ما بعد تاريخ الـ31 من شهر أكتوبر 2025، بالقدر الذي ستعطي دفعة قوية للطرح المغربي، سوف ترفع أيضا سقف التوقعات، إذ سيدخل العالم، دولا ومؤسسات، ونحن معه، غرفة استقبال المولود الذي سيرى النور بعد مخاض دام نصف قرن.

رفع سقف التوقعات يدفع لطرح سؤال جوهري واحد لا غير، دون البحث عن تفاصيل قد تبعد الداء الحقيقي عن أدوات التشريح لاستئصاله.

السؤال هو: بمن سوف يدير المغرب سيادته على الصحراء من داخل توسيع التفويض المؤطر بالحكم الذاتي؟

حين نتأمل واقع الأقاليم الجنوبية اليوم، ماذا نجد؟

العيون، حمدي ولد الرشيد رئيس جماعتها ونائب برلماني عن دائرتها... ابنه محمد ولد الرشيد رئيس مجلس المستشارين... ابن أخيه وزوج ابنته "حمدي الصغير" رئيس جهة العيون الساقية الحمراء... أخوه خليهن ولد الرشيد رئيس المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية... صهره النعم ميارة، قيادي في حزب الاستقلال، الرئيس السابق لمجلس المستشارين... ابن أخيه الخليل ولد الرشيد رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات جهة العيون الساقية الحمراء... ابن أخته أحمد احميميد رئيس غرفة الفلاحة لنفس الجهة...

هذا ما ظهر فقط، وكأنه ليست في الجهة أرحام تنجب من يقود المؤسسات ويمثل الساكنة غير من بلغ سن الرشد داخل بيوت "آل رشيد" ومن يصاهرهم.

سيكون التحول قويا نعم، وإن كان مؤلما، من الضروري أن يقع. لأن طريق المملكة المغربية نحو انتزاع اعتراف دولي ونهائي بسيادتها على صحرائها، تمر بالضرورة من محطات التزود بوقود التعددية والديمقراطية، وأيضا التوزيع العادل لتفويض السلط.

تعيش الأقاليم الجنوبية منذ عقود على أساس "وزيعة العائلة"، وقبلها، الولاء الأول والأخير للقبيلة. هذا النمط يمكن إدارة توازناته، كبح تزايد مطامعه، تلجيم سوء استغلالها، ما استمرت الدولة المركزية تمارس اختصاصات السيادة والإدارة كاملة غير مجزأة.

أما ونحن نؤسس لنمط آخر على أساس الحكم الذاتي الموسع، فإن كل ما ستنتجه مؤسسات الدولة ومعها الأحزاب والجمعيات والنقابات من تصورات، مهما كانت متقدمة، ستنهار أسسها على أعتاب منازل العائلة الواحدة.

لماذا؟

لأنه من خلال دروس التاريخ، كانت تجارب تنزيل تدبير وإدارة الحكم الذاتي، مؤلمة غير منتجة للاستقرار والازدهار، سواء أكانت على أسس دينية أو عرقية أو إثنية... حين تدخل وتخرج من "دار الورثة".

من أجل فهم بسيط، هنا، أدعوكم لقراءة رواية تحمل عنوان: "عقيدة الحشاشين.. عصر النهضة" للروائي الإنجليزي "أوليفر بودين" (اسم مستعار).

رواية اقتُبست أحداثها من زمن مدينة فلورنسا (قبل توحيد إيطاليا) التي كانت تتمتع بحكم ذاتي كامل تقريبا - مستقل شكليا عن السلطة السياسية للبابا - حيث حكمت عائلة ميدتشي الغنية منذ أوائل القرن الخامس عشر.

فترة حكم باسم عائلة هددت مهد عصر النهضة الأوروبية، ومركز الفن والعلوم والفكر. وأنتجت لنا أيضا كتاب "الأمير" الذي أسس لمفهوم سياسي جديد حينها؛ هو "الغاية تبرر الوسيلة".

مواضيع ذات صلة