لم أجد في تصريح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، ما يدعو للاحتفاء أو التفاؤل تجاه تحول موقف بلاده من نزاع هي الفاعل الرئيس فيه والداعم الأول والأخير له، أكثر مما وجدت فيه هروبا للخلف.
تصريح موجه للاستهلاك الإعلامي، لا غير. ليس على الصعيد الدولي أو الداخل الجزائري أو للتسويق بين خيم تندوف، بل ليتلقفه الرأي العام المغربي بمختلف مستوياته، طمعا في أن يخرج بتفاعلاته، جنرالات الجارة الشرقية من عنق زجاجة فقدانهم لأوراق ضغط تعتمد بالأساس ملء خزانات وقودها بالبروبغاندا أكثر من السياسة الدبلوماسية الواقعية.
كيف؟
قبل الجواب، لنذكر بما قاله أحمد عطاف: "الجزائر لن تبخل بتقديم دعمها لأي مبادرة للوساطة بين طرفي النزاع (المغرب والبوليساريو)، شريطة أن تندرج هذه المبادرة في الإطار الأممي، وأن تكون مبنية على ثوابت الحل العادل والدائم والنهائي لقضية الصحراء الغربية".
أين التحول في الموقف هنا؟ أكرر، لم أجده.
إذن، لنفهم ما جاء في مقدمة المقال، من وجهة نظري، وجب، أولا، الأخذ بعين الاعتبار تطورات الملف منذ توقيع وقف إطلاق النار بين المغرب و"البوليساريو" عام 1991، ثم سلسلة "مفاوضات هيوستين" عام 1997 تحت إشراف جيمس بيكر، بعدها خطة الأخير عام 2001 ثم مقترحه عام 2003، مرورا بـ"مفاوضات مانهاست" عامي 2007 و2008، وصولا لطرح المغرب مقترح الحكم الذاتي خلال نفس الفترة، ووقوفا عند محطة جولات الحوار غير الرسمية التي امتدت من العام 2010 إلى غاية 2012، وأخيرا جولتي عقد طاولة الحوار المباشرة بمقر الأمم المتحدة بجنيف شهر دجنبر من العام 2018 ومارس 2019.
محطات وغيرها ستجد بالعودة إلى تفاصيلها أن المواجهات الدبلوماسية داخل المؤسسات الأممية والإقليمية كانت، ولاتزال وسوف تبقى، مع الجزائر مباشرة، وليس مع "البوليساريو"، خاصة جولتي جنيف، حين شدد المغرب هذه المرة، وبقوة، على موقف سياسي ودبلوماسي لا محيد عنه، وهو أن جاره الأصل والداعم للحجر الذي وضع تحت حذائه.
يقول وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، خلال أكثر من مناسبة: "الجزائر طرف حقيقي في النزاع وهي مسؤولة عن خلقه واستمراره".
أكيد أن هذا الموقف بالنسبة إلى المغرب الدولة هو جوهر عقيدة دبلوماسيته، إن لم نقدر على زعزعته على هذا المستوى، فلنجرب استعمال ما نتقنه، لخلخة طفرة تكامل، أقوى اليوم حول القضية الوطنية.
تكامل مغربي، نوع من أسلحة مواجهته لمخطط تقسيم البلاد، بفتح جبهات يقودها في أحيان كثيرة الرأي العام عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تُحسم معارك بأوجه أكثر فعالية، مما تحسم حول طاولات المفاوضات الرسمية.
حين قلت إن تصريحات عطاف موجهة للاستهلاك الإعلامي والتواصلي داخل المملكة، فلأن جنرالات الجزائر فهموا، وإن متأخرا، أن من بين نقاط قوة زخم تحرك الخارجية المغربية، خلال السنوات الأخيرة، ارتفاع منسوب شرعيتها لدى الرأي العام المغربي، ونجاحها في جعل غالبية المغاربة سفراء وممثلين دائمين، ينشطون على مدار الساعة، لصالح القضية وضد عدوها الأول، حيث جبهات الصراع الجديدة.
مسألة أخرى، مرد وصف التصريح بأنه "هروب إلى الوراء"، هو أن التقرير السنوي الذي يرفعه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، إلى مجلس الأمن، تضمن لأول مرة عبارة أن "الجزائر طرف معني" في الصراع، وبدوره، صرح المبعوث الأممي الخاص إلى الصحراء ستافان دي مستورا بضرورة أن تشارك الجزائر في سلسلة "المفاوضات" مستقبلا، على أساس "الانخراط الكامل في الحوار".
وكم يكره جنرالات الجزائر أن يقتنع الرأي العام بأنها طرف النزاع الحقيقي، لأجل ذلك، ولكل ما سبق، حذارِ من منحها قبلة حياة الترويج على أن تقديمها اليوم لعرض الوساطة، تحول أو انتصار.