تعيش المدينة العتيقة لآسفي، منذ فاجعة فيضانات يوم أمس، على وقع غضب غير مسبوق في صفوف السكان، الذين وجهوا انتقاداتهم إلى المنتخبين وإلى ما يصفونه بانتقاء في الإصلاحات وبرامج التأهيل، معتبرين أن ترك الأزقة الهشة والبنيات المتهالكة خارج الأولويات ساهم في حجم الكارثة التي أودت بحياة 37 شخصا وخلفت خسائر مادية جسيمة في قلب النسيج التاريخي للمدينة.
في ليلة واحدة فقط، تحولت شوارع وأزقة المدينة العتيقة إلى سيول جارفة، بعد عواصف رعدية قوية وتساقطات مطرية غزيرة وصفتها السلطات المحلية بـ"الاستثنائية"، أدت إلى سيول اجتاحت الأحياء المنحدرة والقديمة، وجرفت سيارات وقطعت محاور طرقية، وتسببت في غمر 70 منزلا ومحلات تجارية على الأقل داخل أسوار المدينة القديمة، مع تسجيل اضطراب واسع في حركة السير وحالة هلع ورعب وسط السكان.
وعجت مواقع التواصل الاجتماعي بمشاهد انتشال جثامين أشخاص حاصرتهم السيول داخل محلاتهم أو منازلهم، بينهم تجار ظلوا إلى آخر لحظة يحاولون حماية سلعهم قبل أن يباغتهم منسوب المياه الذي ارتفع في دقائق معدودة.
كما أشارت المعطيات الرسمية اليوم إلى خضوع 14 شخصا للعلاجات الطبية، بمستشفى محمد الخامس بآسفي، من ضمنهم شخصان بقسم العناية المركزة، وفق بلاغ توصل "تيلكيل عربي" بنسخة منه.
وأوضح البلاغ أن تدخلات السلطات العمومية، ومصالح الوقاية المدنية، والقوات العمومية، وكافة المتدخلين مستمرة من خلال تواصل عمليات التمشيط الميداني والبحث والإسعاف وتقديم الدعم والمساعدة للساكنة المتضررة.
ومع انحسار المياه نسبيا، تحولت الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة إلى فضاء للاحتجاج، حيث خرج سكان متضررون يرددون: "فين المنتخبين… فين التنمية"، في تعبير مباشر عن شعور بالتخلي وعدم الثقة في تدبير الشأن المحلي.
وفي شهادات نقلتها مواقع محلية، أكد عدد من السكان أن "السيناريو نفسه يتكرر كلما هطلت أمطار قوية"، معتبرين أن الإشكال لم يعد مرتبطا فقط بشدة التساقطات، بل بـ"اختلالات مزمنة" في شبكات تصريف مياه الأمطار، وبوجود مبان آيلة للسقوط ومنازل متهالكة لم تستفد من أي تقوية حقيقية للبنية التحتية.
ويشير المتحدثون إلى أن المدينة العتيقة كانت خلال السنوات الأخيرة موضوع اتفاقيات وبرامج تأهيل، رصدت لها مبالغ تناهز مئات ملايين الدراهم لإعادة الاعتبار للمآثر التاريخية وترميم الأسوار، غير أن سكان الأحياء الداخلية يتساءلون عن مآل هذه الاستثمارات، مسجلين أن جزءا مهما من التدخلات ركز على الواجهات والمحاور المرئية، فيما ظلت أزقة عديدة تغرق مع كل تساقطات في الوحل والواد الحار.
وتداولت مواقع إخبارية شهادات لفاعلين محليين يطالبون بمراجعة شاملة لمعايير اختيار مشاريع التهيئة داخل المدينة العتيقة، وربط أي تدخل جديد بإصلاح جذري لشبكات الصرف الصحي وتقوية الأساسات في الأحياء المنحدرة، بدل الاقتصار على تبليط محدود للمسالك أو تجميل الواجهات دون معالجة الهشاشة البنيوية.
وفي مقابل مشاهد الغضب، أظهرت الفيضانات وجها آخر لآسفي تمثل في موجة تضامن قادها شباب من مختلف الأحياء، ممن سارعوا إلى مساندة العالقين ومساعدة فرق الإنقاذ.
وانتشر مقطع واسع التفاعل يوثق لحظة إنقاذ سيدة مسنة جرفتها السيول، إذ ظهرت وهي تتشبث بجدار وتصرخ طلبا للمساعدة، قبل أن يتدخل شبان عبر مد حبل وإنقاذها.
هذا المقطع لم يكن معزولا، إذ رافقته مقاطع أخرى لسكان يؤكدون أن أشخاصا استغلوا الفوضى لسرقة محلات تجارية غمرتها المياه، كما أثار انتشار فيديو لشخص يقوم بالسرقة استنكارا واسعا، قبل أن يتم توقيفه من طرف المصالح الأمنية.
وفي خضم هذه التطورات، عاد النقاش حول نمط تدبير برامج تأهيل المدينة العتيقة، وحول مدى حضور البعد الوقائي من الأخطار المناخية داخل الاختيارات التقنية للمشاريع. فجزء من الساكنة يتهم المنتخبين بـ"الانتقاء" في الإصلاحات، في مقابل بطء في معالجة ملفات المباني الآيلة للسقوط وتقوية قنوات الصرف وتوسيع مجاري المياه.
في المقابل، يشير متتبعون إلى أن حجم التساقطات كان فعلا غير عادي، وأن ساعة واحدة من العواصف الرعدية الشديدة كفيلة بإرباك بنية تحتية حتى في مدن أكثر تجهيزا، غير أن ذلك، في نظرهم، لا يلغي الحاجة إلى مساءلة اختيارات التهيئة واستباق المخاطر في مدينة ساحلية عتيقة، ترتفع فيها الكثافة السكانية وتضيق أزقتها وتعرف بناياتها درجات متفاوتة من الهشاشة، لا سيما مع وجود نشرة إنذارية.