حوار.. الزياني لـ"تيلكيل عربي": مشروع قانون المحاماة لن يمر.. ومستعدون للتصعيد

خديجة عليموسى

في ظل توتر جديد  يشهده قطاع المحاماة، وعلى خلفية مشروع قانون أعاد إلى الواجهة أسئلة الاستقلالية والضمانات الدستورية لمهنة الدفاع، أعلن المحامون عن توقف شامل عن تقديم خدماتهم، اليوم الثلاثاء في خطوة تصعيدية تعكس عمق الخلاف مع وزارة العدل.
في هذا الحوار، يشرح الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خلفيات هذا القرار، وحدود الحوار مع الحكومة، ومكامن الخلل التي طالت مشروع قانون مهنة المحاماة، محذرا من تداعيات تشريعية تمس جوهر العدالة وحقوق المواطن..

أعلنتم عن توقف شامل عن تقديم خدمات مهنة الدفاع اليوم الثلاثاء، كيف تقيمون، إلى حدود الساعة، درجة الاستجابة لهذا القرار على مستوى المحاكم؟

إن التوقف الشامل عن العمل لهذا اليوم جاء بمقتضى البلاغ الصادر عن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، المنعقد بمراكش يوم 3 يناير الجاري، بعد انعقاد مجلس الجمعية الاستثنائي في اليوم نفسه، وهذا القرار جاء نتيجة الظرفية العصيبة والصعبة التي تمر منها مهنة المحاماة ببلادنا.

إن جميع المحاميات والمحامين المغاربة منخرطون ويتحملون المسؤولية كاملة، والجميع استجاب لقرار مكتب الجمعية، فتوقفنا هذا اليوم كخطوة أولى، في انتظار الخطوات التي سنعلن عنها لاحقا.

ما خلفيات هذا القرار؟

في الحقيقة، الحوار انطلق منذ شهر نونبر 2024 مع السيد الوزير، وفي أجواء جيدة جدا، يسودها التعاون، وكانت أبواب السيد الوزير مفتوحة ولا تزال. وبكل وضوح، كان دائما هناك حوار ولقاء وتعاون، واشتغلنا على أمور كثيرة، بما في ذلك مشروع المسطرة المدنية وقوانين أخرى، وكانت المؤشرات إيجابية للغاية.

غير أن الصدمة التي حدثت، والتغيير الذي حصل، كانا بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة، حيث إننا جلسنا فعلا إلى طاولة الحوار في إطار المقاربة التشاركية، لكن الصيغة النهائية التي خرجت ضربت في العمق كل التوافقات.

لماذا تم اعتماد منهج السرية خلال مرحلة المفاوضات؟

كان ذلك بتوافق، لضمان استمرار النقاش، وجودة الحوار، وضمان نجاح هذا المسار، خاصة أن هناك أحيانا تعديلات نعود بها إلى المداولة، ونرجع بها إلى المجلس، وغير ذلك. وهكذا كان هذا المسار مبنيا على قناعات، ولم يكن اختيارا تكتيكيا أبدا، بل كان خيارا إيجابيا من أجل إنجاح الحوار، على أساس أن المخرجات النهائية والصيغة النهائية يجب أن تحال على المجالس لإبداء النظر.

ما المرحلة التي عرفت خلافا مع وزارة العدل لاسيما أن نسخة  مشروع القانون ليست نهائية وتم إرسالها إلى مجموعة من القطاعات الحكومية لإبداء الرأي؟

توصلنا بنسخة من مشروع القانون، يوم 16 دجنبر 2025، القابلة للإحالة على المجالس في إطار الاتفاق المسبق مع الوزارة، في وقت كان فيه المشروع قد أحيل على الأمانة العامة للحكومة، وهو صلب الخلاف بالدرجة الأولى،  باعتبار أن الحوار استمر إلى 2 دجنبر 2025.

لكن هذه مسطرة تشريعية عادية، والقانون لم يصبح بعد نهائيا ولم يصادق عليه مجلس الحكومة،  وسيحال بعد ذلك على البرلمان، وهناك يمكن أن تطرأ عليه تعديلات.

 السؤال الجوهري هو: من يضمن لنا استدراك كل هذا ولماذا لم تظهر التوافقات المتفق عليها سلفا في المشروع الأول؟ ولماذا تم تغييبها؟ أما القول بإمكانية الاستدراك على مستوى البرلمان، فهو متأخر، نحن نفهم جيدا الصلاحيات ونحترم المسطرة التشريعية، ولا نقول إننا نشرع، فهذا ليس اختصاصنا، لكن عندما نشارك في إطار المقاربة التشاركية الدستورية، يجب أن يظهر أثر هذه المقاربة في المشروع، وأن تنعكس التوافقات والالتزامات المتفق عليها في الصيغة النهائية.

ما هي المواد التي تم حذفها رغم أنكم توافقتم بشأنها مع وزير العدل؟

الواقع أن هناك أمورا كثيرة جدا، وعديدة، وقع فيها عكس ما تم الاتفاق عليه، أبرزها أن المشروع عرف تغييرات وإضافات وانحرافات، سواء على مستوى التمرين، أو على مستوى دور المحامين، أو مهامهم، أو استقلال القرار المهني والتنظيمي والتأديبي، وعلى مستوى حصانة المحاماة.

هذه المقتضيات تمس جوهر المهنة وأساسها، ولا يمكن مبدئيا أن نتحدث عن محاماة تم تقويض استقلالها الذي يتجلى أولا في الولوج إلى التمرين، وتنظيمه، والتمديد، والتأديب، وفي شروط الممارسة، ثم في استقلال الهيئات في اتخاذ قراراتها، سواء التنظيمية أو التأديبية، أو في علاقتها مع السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.

فكيف يعقل أن يتم إلزام الهيئات بإبلاغ جميع قراراتها إلى السلطة الحكومية؟ ولماذا يمنح لها اختصاص تمديد التمرين؟ ولماذا يتم تقليص مهام المحامين أو مجال عملهم؟ ولماذا يتم تغيير المقتضيات المتعلقة بعقود التعاون مع الأجانب أو المكاتب الأجنبية؟

كل هذا عرف نوعا من التراجع والتغيير الذي أفرز، في النهاية، وضعا يجعل المحاماة خاضعة لوصاية معينة، ومجردة من قوتها ودورها المحوري، لتتحول في هذا المشروع إلى أداة وظيفية فقط، بدل أن تكون فاعلا محوريا ورئيسيا.

وعندما نتحدث عن الدور المحوري والرئيسي للمحاماة، فإننا نتحدث عن التوازن داخل منظومة العدالة، وعن ضمان المحاكمة العادلة، وعن جودة المنتوج القضائي.

فكيف يمكن ضمان عدالة متوازنة للمواطنات والمواطنين بدفاع غير مستقل، وغير محصن؟ هذا أمر لا يمكن القبول به مطلقا.

واستقلال المحاماة هو حق دستوري وأممي ينسجم مع دستور المملكة والتزامات المغرب الدولية، وبالتالي فإن أي مساس به يمس بسمعة بلدنا وبحقوق المواطن الدستورية.

لكن الوزير يتحدث عن أن هذه المسودة المطروحة الآن هي التي اتفقتم عليها أنتم.

ما اتفق عليه لم يرد في هذه الصيغة التي عرفت تغييرات جوهرية وإضافات. لقد  توصلنا بالمسودة القابلة للإحالة على المجالس يوم  16 دجنبر 2025 بشكل رسمي.

كيف يمكن أن يؤثر هذا على الثقة بينكم وبين الوزارة من أجل مسار سليم في هذا النقاش التشاوري؟

نحن لم نكن أبدا ضد الحوار، نحن دائما معه ومع التوافق، وهذه مصلحة البلد أولا وأخيرا، ولكن أيضا مع الالتزام بما تم الاتفاق عليه، ومع الحفاظ على مكتسبات المهنة.

أرى أن هذا المشروع سيشكل منعطفا كبيرا ببلادنا، لأن هذا القانون يفرغ المحاماة من عمقها، ومن مبادئها وقيمها، ولأن هذا المشروع يراد به أن لا تقوم المحاماة بدورها الريادي، وبعبارة أدق إضعاف المحاماة وجعلها مجرد وظيفة إجرائية. وهذا ما لا يمكن القبول به مطلقا، من موقع المسؤولية، ومن موقع وطنيتنا، ومن موقع مسؤوليتنا المهنية والحقوقية. لايمكن مطلقا أن نتهادن أو نسكت عن هذا الأمر.

هل يمكن أن تمضوا في خطوة الاستقالة إلى أبعد مدى؟

إن الاستقالة الجماعية واردة في نقاشاتنا، وأكثر من ذلك، فنحن غير معنيين بهذا النص التشريعي.

وبالتالي فإن التريث في هذا المشروع، وإرجاعه إلى الحوار والتوافقات، أمر ضروري. ونحن نتفهم المسطرة التشريعية حتى لا يفهم كلامنا خطأ، فنحن نعرف المسطرة التشريعية جيدا. نحن لا نشرع، بل نشارك في إطار مقاربة تشاركية، نقدم مقترحاتنا، ونترافع عن مهنتنا وحقوقنا المكتسبة، وعن  المواطن والحقوق الدستورية.

وحينما يتم المس بالدستور في مادته السادسة المتعلقة بعدم المساس بالحقوق المكتسبة، فإن ذلك ضرب في عمق الدستور والتزامات المغرب الدولية وضرب أيضا لحقوق المواطن في المحاكمة العادلة.

لا يمكن أن نتنازل أو أن ننزل عن السقف الموجود في قانون 2008. هذا أمر مستحيل.

يمكننا أن نضع البذلة، ونعطي هذا المجال لمن يريد أن يسيره، لا مشكل في ذلك.

المحامون لديهم القدرة على ذلك، وأتكلم معك بكل صراحة، والبلاد لها مصلحة في أن يكون المحامون قادرين على أداء دورهم، وأن لا يبقوا عاجزين عن الدفاع عن الناس. ما لا نريده هو أن يسجل علينا التاريخ، داخل جمعية هيئات المحامين بالمغرب كنقباء، أننا أثثنا مشهدا شكليا في الحوار، أو أننا ساهمنا أو تواطأنا في إخراج مشروع من هذا النوع.

ولذلك، فنحن مستعدون لأي حوار مسؤول. ولكن حتى لا أفهم خطأ، فأنا أعبر هنا عن رأي مكتب الجمعية. وإذا قدر الله وكانت هناك محاولة لتمرير هذا القانون، فإن النتائج ستكون سلبية جدا. ومكتب الجمعية مستعد لتحمل مسؤوليته التاريخية.

لن نراجع موقفنا، ولن نقبل بتقويض استقلال مهنة المحاماة أو حصانتها، أو تفريغها من مضمونها ومكانتها ودورها. نحن سنقف، لأن هذا أمر مستحيل.

هل تحملون المسؤولية لوزير العدل؟

وزارة العدل تتحمل مسؤوليتها كاملة، لأنها أخلت بالالتزامات. نحن التزمنا بالعمل في إطار الحوار دون رفع السرية عما يجري، إلى أن يتم الانتهاء من المشروع النهائي وإحالته على مجالس الهيئات والنقباء لإبداء الرأي، قبل إحالته على الأمانة العامة للحكومة، لكن ما وقع أمر غير مفهوم.

هذا الوضع جعلنا، داخل جمعية هيئات المحامين بالمغرب، نعيش وضعا مؤلما، لأننا دخلنا الحوار بروح إيجابية، وبإيمان قوي، وبحسن نية، من أجل الإسهام في إخراج قانون جيد. لكن جوهر الخلاف هو أنه لا يمكن للنقباء أن يقبلوا بأن يكون حضورهم شكليا فقط لتمرير مشروع كان قد أعد وفق رؤية مسبقة. ولا نقبل بوضع مؤسسات المهنة أمام الأمر الواقع.

هل كان لكم تواصل مع وزير العدل بعد توصلكم بمشروع القانون؟ وألا ترون أن وزير العدل هو محام وأنه سيكون حريصا أيضا على المهنة

إن علاقتنا مع السيد الوزير علاقة جيدة وبابه مفتوح، وتناقشنا معه بمسؤولية، لكن المشكل الحقيقي هو مشكل قانون المهنة، وإن وزارة العدل تتحمل مسؤوليتها، لأن الحوار يفرض التزامات متبادلة.

أما القول إن وزير العدل محام،  نحن نتعامل معه كوزير للعدل، وليس كمحام، وبالتالي لا يمكننا الإجابة عن هذا السؤال من هذا المنطلق.

في البلاغ الصادر عن مكتب الجمعية أشرتم إلى جهات غير معنية بالتشريع، هل تعتقدون أن هذا تشريع على المقاس؟

بخصوص الإشارة في البلاغ إلى جهات لم تتم تسميتها، فذلك لأن الانحراف عن مخرجات التوافق يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة التأثيرات التي عرفها مسار الحوار. من حقنا أن نطرح هذا السؤال، وهو يقود إلى سؤال آخر: هل هذا المشروع اختيار أصيل للحكومة، أم أن هناك تأثيرات أخرى تدخلت في صياغته؟ وهذا أيضا سؤال مشروع.