عبد الهادي بلخياط

هادي معزوز

من الصور التي كانت مأثورة في طفولتي المبكرة، إطفاء جهاز الموسيقى حينما يدخل والدي إلى البيت، ربما بدافع الاحترام أو شيء من هذا القبيل.. لكن الغريب في الأمر أنه لم يكن يبدي تبرما حينما تعود الأغنية المعروضة إلى عبد الهادي بلخياط أو أم كلثوم أو محمد الحياني... وكأنه يبعث لنا برسالة مشفرة تقول: هذا فن راق يتحدى الخطوط المرسومة في حضرة الأب.

كبرت وكبر حبي وارتباطي بالأيقونة عبد الهادي بلخياط، خاصة روائعه التي من بينها: الأمس القريب والقمر الأحمر والمنفرجة... وكم تحلو لي سياقة السيارة على إيقاعها لحد الساعة وكأنها طقس يُكرّرُ المرة تلو الأخرى، وكأني أسمعه لأول وهلة. لقد كانت أغانيه المأثورة فنا خاصا يسير بعيدا عن التصور الميتافيزيقي الذي يُعلي من الأصل بغية تكراره، فحتى لو استطابت لنا أغانيه وأنصتنا لها بالوجدان والمشاعر، لرأيناها أغاني تتجدد فتنكشف فيها أشياء جديدة كلما أعدنا الإنصات إليها. ونفس الأمر أيضا يسري على أعماله برمتها من خلال الاختلاف سواء على مستوى الإيقاع أو الموضوع، مما كان يضفي عليه صفة الفنان القادر على التنطع من وهم الأصل والهوية والتكرار، والدليل أن أعماله لازالت تترك لدى المتلقي أثرا فنيا كلما تقدمت في التاريخ.

في مدينة البئر الجديد حيث يقيم الرجل ببيت متواضع وسط الحقول الممتدة امتداد البصر، اختار الانعزال المؤقت عن دنيا الناس وحياة البذخ، وكأني به رواقيٌّ يميز بين الأشياء المرتبطة به والأشياء غير المرتبطة به، بما أن جحيم الإنسان في الحياة يتجلى بارتباطه بما لا يمكن أن تصل إليه يده، كالثروة والرغبة في البقاء والصحة الجيدة... خلال جولاتي عبر الدراجة الهوائية كنت أمُرُّ بجانب بيته الذي لا حركة فيه، بيت ساكن صامت يضاهي صمت القبور والمقابر، فكنت أقول في نفسي: هل يجسد هذا البيت الهادئ حياة إنسان صادَق عمالقة الفن من محمد عبد الوهاب إلى عبد الوهاب الدكالي...؟

لم يفارقه العود فوق خشبة العرض، رِجل في الأرض وأخرى فوق الكرسي تضبط إيقاع أغنية حريصة على الوفاء لانسجام وتناغم أبولون، وجوق خلفه يسيرون وفق حركات يديه ورأسه كأنهم جنود آليون مدربون باحترافية كبيرة.. لو كانت جدران البيت تتكلم لقالت عكس ذلك: رجل زاهد في الدنيا، ينام مبكرا ويستيقظ مبكرا في يوم جديد، على إيقاع سمفونية صياح الديك ونباح الكلاب وصهيل الخيول... يذكر الله قياما وقعودا ولا شيء غير ذلك.

كان الفقيد حريصا على أداء الفرائض الخمس بأحد مساجد مدينة البئر الجديد الهادئة، يرتدي غالبا جلبابا مغربيا أبيض، وطاقية بسيطة فوق رأسه، يمشي منحنيا شيئا ما وعكازه لا يفارقه، لكن وجوده الأصيل أكبر من الاستناد على العكاز، وأكبر بكثير على الانحناء بدافع السن، كان يبدو بمثابة الجد اللطيف، جدنا جميعا ونحن الذين عرفناه كبيرا قبل أن نكبر.

في الإدارة العمومية كان يدخل مثل الجميع، يقف في الصف هادئا، لا يترك أثرا، وإذا تركه فإنه أثر لطيف محدود جدا في الزمان والمكان، كان يفرق بين عبد الهادي بلخياط الرمز، وعبد الهادي بلخياط المواطن، بسمة هادئة تعلو محياه.. صوت منخفض يمزج بين الوقار والزهد، ومواقف قلّما أدلى بها، أما إذا وجد نفسه مجبرا على ذلك، فإن خطابه لم يكن يحمل الاتهام أو الكره أو الضغينة أو الحكم المتسرع. كان إقباله على الحياة إقبال صوفي ينسى ما مضى مهما كان وقعه حسنا أو سيئا، هكذا عرفناه ونحن صغار، وهكذا عرفته وقد رأيت من الحياة ما يفوق الثلاثة عقود.

فقدت مدينة البئر الجديد طلعته وبسمته وهو يدخل المسجد، وفقد المغرب رمزا قلما يجود به الزمن. حقا لقد تركت وفاته بدواخلي أثرا وجدانيا خاصا، أقولها ونحن الذين تذوقنا فنه وصوته وإيقاعه منذ طفولتنا إبان التسعينيات الباردة والخجولة، بيد أنها حملت من ذكرى هذا الشامخ، ما يعز للمرء على العودة إليها بكل افتخار.

رحم الله سيدي عبد الهادي بلخياط...