وأوضح، خلال ندوة حوارية حول موضوع "الشباب والهوية والتحولات القيمية"، نظمها مجلس مقاطعة أكدال الرياض بتنسيق مع كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، الأربعاء المنصرم، أن "بعض السرديات التي تتحدث عن أزمة قيم لدى الشباب المغربي تحتاج إلى إعادة نظر، لأنها تتطلب تدقيقا مفاهيميا وعمليا".
وفي السياق ذاته، أفاد أن "بالرغم من الخطابات المتكررة اليوم حول وجود أزمة قيم أو تحولات قيمية في المجتمع، يجب التأكيد على أنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق على مستوى المنظومة القيمية التي تؤطر المجتمع عموما".
وتابع أن "السبب في ذلك أننا في الواقع لم نحدد بعد بشكل دقيق ما المقصود بالقيم، فنحن نتحدث كثيرا عن القيم، لكننا لا نعرف بدقة معناها، وغالبا ما يتم الخلط بينها وبين مفاهيم أخرى متداولة، مثل المعايير أو الاتجاهات الفردية".
وشدد، في هذا الإطار، على أن "هذا يمثل إشكالا مفاهيميا، إذ ينبغي في البداية توضيح الحدود الفاصلة بين كل مفهوم على حدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالممارسة، الإشكال المرتبط بالقيم ليس إشكالا نظريا بقدر ما هو إشكال مرتبط بالممارسات والسلوكيات، بمعنى: إلى أي حد تستجيب السلوكات اليومية للأفراد لمنظومة قيمية اتفق عليها عبر الأجيال؟".
ومن حيث التعريف، أورد أن "القيم هي تفضيلات جماعية، وليست أطرا مرجعية يختارها الفرد بمفرده، فهي تعبير عن تفضيلات تتشكل داخل المجتمع، وهذه التفضيلات ليست ثابتة، بل ديناميكية ومتطورة، ولذلك فإن بعض السلوكيات والممارسات اليومية التي قد نلاحظها ونعتبرها مظهرا من مظاهر أزمة القيم ليست بالضرورة كذلك، بل قد تكون مجرد تعبير عن البعد الديناميكي للقيم داخل المجتمع".
وفي هذا الصدد، أشار إلى أن "بعض مظاهر العنف أو الجريمة أو التأثيرات المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي لا تعني بالضرورة وجود أزمة قيم، بل قد تكون جزءا من تطور اجتماعي أو تحول في أنماط العيش داخل المجتمع".
ونبه إلى أنه "من المهم هنا التمييز بين مفاهيم أخرى مثل الاتجاهات الفردية والمعايير الاجتماعية، فالاتجاه يرتبط بالفرد، فمثلا إذا قلنا إن أبا لا يريد أن يتحمل مصاريف دراسة أبنائه، فهذه حالة فردية، أما إذا قلنا إن الآباء ملزمون بالتكفل بمستلزمات أبنائهم، فذلك معيار اجتماعي، لأنه انتقل من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي، وهذا المعيار في النهاية يرتبط بقيمة أعمق هي قيمة التربية".
وبناء على ذلك، اعتبر أن "القيم يمكن أن تتجلى في مستويات وسياقات اجتماعية مختلفة، ومن الصعب التحكم في كل مظاهرها، لأنها خاضعة للتغير".
ومن جهة أخرى، أوضح أن "السؤال الثاني يتعلق بالإطار الذي تتشكل فيه منظومة القيم، هل هو الإطار الأسري؟ تاريخيا كانت الأسرة هي الفضاء الأساسي الذي يحافظ على القيم ويعيد إنتاجها، فرغم أن العديد من الأنظمة الاجتماعية عبر التاريخ قد اختفت، مثل النظام القبلي في بعض صوره، فإن الأسرة بقيت مؤسسة قادرة على المقاومة والاستمرار، لأنها تبني إطارا قيميا ومعياريا يتم من خلاله إنتاج القيم وإعادة إنتاجها باستمرار، بمساعدة مؤسسات أخرى تعرف بمؤسسات التنشئة الاجتماعية".
وفي محور آخر، لفت إلى أن المسألة الثالثة تتعلق بمفهوم الهوية، مبرزا أن "الهوية نفسها تطرح إشكالا مفاهيميا، إذ إن معناها في علم النفس ليس هو نفسه في علم الاجتماع أو في الأنثروبولوجيا، لذلك، فعندما نتحدث عن تأثير بعض التحولات على هوية الشباب ينبغي أن نسأل أولا: عن أي هوية نتحدث؟ هل نتحدث عن الهوية الوطنية المغربية كما تحددها المرجعيات الدستورية؟ أم عن هوية مركبة تضم عناصر محلية ووطنية وأخرى ثقافية عالمية؟".
وفي هذا الإطار، ذكر أن الحديث عن الشباب نفسه يطرح إشكالا، إذ لا يوجد اتفاق واضح حول تعريف الشاب، فوفقا للأمم المتحدة يتراوح عمر الشباب بين 15 و24 سنة، بينما تعتمد مؤسسات أخرى تعريفات مختلفة، وحتى داخل المؤسسات الوطنية قد نجد تفاوتا في تحديد الفئة العمرية للشباب.
وعليه، أكد أن مفهوم الشباب ليس متفقا عليه حتى من الناحية السوسيولوجية، مضيفا أنه في هذا السياق يتساءل بعض الباحثين: من هو الشاب فعلا؟ هل هو من أنهى دراسته؟ أم من تحمل المسؤولية؟ أم من تزوج؟ أم من حصل على عمل؟ وبالتالي فإن تحديد الفئة التي نتحدث عنها يصبح أمرا ضروريا قبل دراسة تحولات القيم داخلها.
وفيما يتعلق بالقيم نفسها، أوضح أنه يمكن التمييز بين قيم تقليدية متجذرة في المجتمع، غالبا ما ترتبط بالدين والتراث الثقافي، وبين قيم حديثة ظهرت في سياق الحداثة والمنظومة الحقوقية العالمية، غير أن التحدي الحقيقي، بحسبه، لا يكمن في الاختيار بين هذين النوعين من القيم، بل في كيفية التوفيق بين الحفاظ على القيم الوطنية والانفتاح على القيم الكونية.
وفي المقابل، أكد أن "الإشكال الأكبر يتمثل في أننا في المغرب لا نملك تصورا واضحا حول الإنسان الذي نريد تكوينه، وهو ما ينعكس على المؤسسات التعليمية والإعلامية وغيرها من المؤسسات المفترض أن تساهم في غرس القيم، ونتيجة لذلك يتم أحيانا غرس القيم أو تدريسها بشكل عشوائي أو غير واضح".
ولترسيخ القيم بشكل فعال، أوضح أنه ينبغي الاشتغال على ثلاثة أبعاد أساسية، أولها البعد المعرفي، أي تعريف الأفراد بالقيم وفهم معناها، وثانيها بناء المواقف، أي تمكين الفرد من تكوين موقف شخصي تجاه القيم، وثالثها البعد السلوكي، أي ترجمة هذه القيم إلى ممارسات في الحياة اليومية".
وبحسب المتحدث، فإن المشكلة الأساسية تكمن في وجود فجوة بين الخطاب والممارسة، إذ قد يتحدث الأفراد عن القيم ويؤكدون أهميتها، لكن سلوكهم اليومي قد لا يعكس تلك القيم.
وفي ما يتعلق بالتحديات الراهنة، أشار إلى التحولات المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي، مبرزا أن العالم يشهد تسارعا كبيرا، ويتحدث بعض الباحثين عن مفاهيم مثل "سيولة القيم" أو "مجتمع المخاطر"، وفي هذا السياق لم يعد واضحا دائما من يتحكم في دينامية التنشئة الاجتماعية: هل هي الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم الإعلام؟
وأبرز أن الأسرة لم تختف، لكنها أصبحت تواجه ضغوطا اقتصادية واجتماعية كبيرة، كما أن المدرسة لم تعد تحظى دائما بالثقة نفسها باعتبارها وسيلة للارتقاء الاجتماعي، خاصة عندما يرى الشباب نماذج نجاح أخرى خارج المسار التعليمي التقليدي.
وأكد على أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أكثر تأثيرا من بعض المؤسسات التقليدية، حيث قد يؤثر صانع محتوى على الشباب أكثر مما يفعل الأستاذ أو الأسرة، الأمر الذي يفرض التفكير في كيفية توظيف هذه الوسائل بشكل إيجابي لخدمة المنظومة القيمية.
يشار إلى أن اللقاء عرف مشاركة ياسين إيصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني ورئيس المنتدى المتوسطي للشباب بالمغرب، فيما تولت تسيير أشغال الندوة الأستاذة رقية أشمال، أستاذة القانون العام بكلية علوم التربية بالرباط.


