لم تكن كرة القدم في إفريقيا يوما مجرد لعبة تحسم تفاصيلها داخل المستطيل الأخضر، بل شكلت عبر تاريخها مرآة للتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها القارة.
فمنذ دخولها خلال الحقبة الاستعمارية، تحولت تدريجيا إلى فضاء للتعبير عن الهوية الوطنية وأداة لتأكيد حضور الدول الإفريقية على الساحة الدولية.
في كتابه "تاريخ كرة القدم الإفريقية"، يحاول الصحافي والكاتب المغربي-الفرنسي سعيد العبادي العودة إلى جذور هذه القصة، مستحضرا محطات مفصلية في مسار الكرة الإفريقية، من نشأة الأندية الوطنية وبروز أسماء أسطورية مثل العربي بن مبارك، إلى تأسيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم وبروز كأس أمم إفريقيا كإحدى أبرز التظاهرات الكروية في العالم وليس فقط في القارة السمراء.
وفي حواره مع "تيلكيل عربي"، يتحدث العبادي عن خلفيات هذا العمل البحثي، وعن العلاقة العميقة بين كرة القدم والتاريخ السياسي للقارة، كما يقدم قراءته لمكانة الكرة الإفريقية اليوم، ويتوقف عند النسخة الأخيرة من كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب، وما حملته من رسائل حول طموحات القارة.
في كتابك "تاريخ كرة القدم الإفريقية"، تتجاوزون مجرد السرد الرياضي لاستكشاف الأبعاد السياسية والاجتماعية لكرة القدم في القارة، ما الفكرة الأساسية التي أردت إيصالها من خلال هذا الكتاب؟
كان هدفي، من وراء هذا العمل التاريخي، إبراز هذا التوازي القائم بين تاريخ كرة القدم وتاريخ القارة الإفريقية بشكل عام.
كما أدركت، خلال نقاشاتي مع أصدقاء من أصول مختلفة أثناء بطولات كأس أمم إفريقيا، أن الكثيرين لا يعرفون تاريخ منتخباتهم الوطنية، بل وحتى تاريخ بلدانهم الأصلية.
لذا أحاول دائما أن أوضح، سواء في نقاشاتي مع الأصدقاء أو أفراد العائلة أو خلال الندوات التي أشارك فيها، أن كرة القدم ليست مجرد نتائج أو مباريات، فمن خلالها يمكننا فهم الكثير عن السياسة والتاريخ والمجتمع بشكل عام أيضا.
توضح في الكتاب أن كرة القدم في إفريقيا انتقلت من مجرد لعبة أدخلها المستعمرون إلى أداة للتحرر وبناء الهوية، ما أبرز اللحظات التاريخية التي تجسد هذا التحول ؟
كرة القدم الإفريقية تشكلت دائما في سياق نضالات التحرر، أولا في مواجهة الاستعمار ثم في مرحلة الاستقلال.
ومن اللحظات المفصلية في هذا المسار ظهور الأندية المحلية الأولى التي كانت تمثل السكان الأصليين، كما حدث في المغرب مع نادي الوداد الرياضي، فيما شكل انتقال بعض أفضل اللاعبين إلى أوروبا محطة مهمة، مثل العربي بن مبارك الذي يعد أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ.
بعد ذلك جاء تأسيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم "الكاف"، وإطلاق مسابقة كأس أمم إفريقيا، وهي مسابقة أود التذكير بأنها أنشئت بعد ثلاث سنوات فقط من بطولة أوروبا.
وعلى المستوى الجيوسياسي، كان لتأسيس "الكاف" تأثير كبير في مسار الاعتراف بالدول الإفريقية وتعزيز حضورها، وكذلك في تطور كرة القدم داخل القارة.

كيف بنيت بحثك وجمعت معطياته قبل نشر الكتاب، وما أبرز الصعوبات التي واجهتك خلال إنجازه؟
الفكرة الأساسية كانت هي إعداد دراسة تاريخية تسلط الضوء على تطور الساحرة المستديرة في القارة الإفريقية، لقد أردت أن يكون هذا الكتاب وسيلة تسمح للقراء باكتشاف أحداث وقصص منسية أو غير موثقة بشكل كاف في كتب أخرى، وبالنسبة إلي، كتابة تاريخنا ونقله إلى الأجيال هو الدافع الأساسي الذي يحركني.
أما عن أول عقبة، فكانت العثور على معلومات موثوقة حول فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، إذ تكاد الأرشيفات تكون نادرة.
لذلك كان علي السفر إلى عدة بلدان والالتقاء بمؤرخين وباحثين ومهتمين من أجل جمع المادة التي أردت تقديمها في كتابي.
وخلال هذا المسار التقيت صحافيين ولاعبين ولاعبات ومسؤولين سياسيين إضافة إلى خبراء في الاقتصاد.
الكتاب نشر في فرنسا، لكنه يتناول تاريخا يهم القارة الإفريقية بأكملها. هل فكرت في مبادرات للترويج له أكثر في المغرب وبقية الدول الإفريقية، سواء عبر الترجمة أو تنظيم لقاءات مع الجمهور؟
كنت حاضرا، خلال النسخة الأخيرة من كأس أمم إفريقيا "المغرب 2025"، في المغرب وتحدثت عن الكتاب في عدد من وسائل الإعلام، كما شاركت في ندوتين.
الكتاب متوفر حاليا في بعض المكتبات داخل المملكة، خاصة في الرباط والدار البيضاء وطنجة، لكنني أتمنى أن ينتشر بشكل أوسع.
أود أيضا مواصلة ما أقوم به في فرنسا، من خلال تنظيم لقاءات في المغرب ودول إفريقية أخرى داخل المكتبات أو المدارس أو في إطار ندوات عامة، بهدف الحديث عن التاريخ عبر الرياضة، وترجمة الكتاب إلى العربية والإنجليزية تعد من أولويات دار النشر في المستقبل القريب.
تتطرق في تحليلك، أيضا، إلى البعد الجيوسياسي لكرة القدم، فلماذا تُعد كأس أمم إفريقيا، في رأيك، أداة قوية من أدوات القوة الناعمة للدول الإفريقية؟
منذ تأسيسها، شكلت كأس أمم إفريقيا أداة مهمة من أدوات القوة الناعمة، فهذه البطولة تتجاوز البعد الرياضي لتصبح وسيلة تستخدمها بعض الدول لتحسين صورتها على الساحة الدولية.
فعندما تنظم دولة ما "الكان"، فإنها تظهر قدرتها على استضافة أحداث كبرى من خلال بناء بنية تحتية حديثة وتنظيم لوجستي متناسق،ويجب ألا أن نغفل أن البطولة القارية توفر تغطية إعلامية واسعة، ما يساهم في الترويج للسياحة والاقتصاد وجاذبية البلد.
إضافة إلى ذلك، تلعب دورا دبلوماسيا من خلال تعزيز العلاقات بين الدول الإفريقية وترسيخ النفوذ الإقليمي للبلد المنظم.
اليوم، يتألق العديد من اللاعبين الأفارقة في أكبر الأندية الأوروبية، كيف ترى تطور ومكانة كرة القدم الإفريقية على الساحة الدولية؟
حسب منظوري الشخصي، فرغم الموهبة الكبيرة التي يتمتع بها اللاعبون الأفارقة، يرى كثيرون أن كرة القدم في القارة ما تزال مرتبطة بالبنية الكروية الأوروبية. والسؤال المطروح: هل يمكن لإفريقيا أن تبني نموذجها الكروي المستقل؟
لقد أظهر المغرب من خلال تنظيمه للنسخة الـ35 لكأس أمم إفريقيا، سواء على مستوى الملاعب أو البنية الفندقية أو وسائل النقل أو مراكز التدريب، أنه لا يقل عن أوروبا في قدرته على تنظيم البطولات الكبرى، بل إن الأوروبيين أنفسهم وجدوا ما يستحق التدوين والتعلم منه، لأن التنظيم كان مثاليا.
لكن يجب الاعتراف، في المقابل، بأن البلدان الإفريقية ليست كلها قادرة حاليا على تحقيق ما حققه المغرب.
لذلك، من الضروري مرافقة هذه الدول ومساعدتها على تطوير بنيتها الرياضية، والأمر يتطلب رؤية واضحة من السلطات المحلية، إضافة إلى دعم من الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم والاتحاد الدولي للعبة، حتى تتمكن إفريقيا من بناء نموذجها الكروي المستقل.
تحدثت عن "كان" المغرب ونجاحه، ما هي نقاط قوة المملكة؟
على مستوى التنظيم، رفع المغرب السقف عاليا جدا، إذ لم يسبق أن شاهدنا نسخة من كأس أمم إفريقيا بهذا العدد من الملاعب، والأهم أنها ملاعب من الجيل الجديد، وسيكون من الصعب تكرار نسخة مماثلة في المستقبل.
كما استفادت المنتخبات المشاركة من ظروف إقامة عالية الجودة، سواء من حيث الفنادق أو ملاعب التدريب المتطورة.
وفي أوروبا تحديدا، تغيرت النظرة إلى كرة القدم الإفريقية بعد هذه النسخة، إذ لم يعد ينظر إليها كنوع من "الفولكلور"، بل جرى التعامل معها بالطريقة نفسها التي ينظر بها إلى بطولة أوروبا أو كأس العالم، وهذا دليل على أن المغرب نجح في تقديم صورة مميزة ومختلفة في الآن ذاته.
كيف تابعت مسار المنتخب الوطني في هذه البطولة، خاصة في ظل التوقعات المرتفعة للجمهور المغربي؟
قبل انطلاق البطولة، وبعد الألقاب التي حققها المنتخب المحلي بقيادة طارق السكتيوي في "الشان" وكأس العرب، ومنتخب أقل من 20 سنة بقيادة محمد وهبي في كأس العالم، كانت الضغوط كبيرة، وشكك كثيرون في قدرة فريق وليد الركراكي على التتويج باللقب القاري، وحتى أيضا الوصول إلى الأدوار المتقدمة.
لكن مع تقدم المنافسة، خصوصا بعد مباراة ربع النهائي أمام الكاميرون، حدث نوع من التحول وبدأ الأمل يكبر في رؤية المنتخب يذهب بعيدا في البطولة.
للأسف، لم تسر المباراة النهائية كما كان متوقعا، فقد تأثر الفريق بضغط النهائي وخصوصيته، إضافة إلى وجود خيارات غير موفقة، وركلة الجزاء التي أهدرها إبراهيم دياز، ومع ذلك، فإن بلوغ النهائي لأول مرة منذ 2004 يعد إنجازا إيجابيا، حتى وإن كان من شأن التتويج باللقب على أرض المغرب أن يحمل طعما خاصا.
شهدت المباراة النهائية عدة أحداث أثارت جدلا حول صورة كرة القدم الإفريقية، هل يمكن أن تؤثر هذه الوقائع على صورة القارة دوليا؟
أعتقد أن المتابعين المتخصصين تمكنوا من وضع الأمور في سياقها الصحيح، كما أن السلطات المحلية تعاملت مع الوضع بشكل جيد.
لكن هذه الأحداث تبقى، رغم ذلك، نقطة سوداء في بطولة كان تنظيمها مثاليا طوال شهر كامل من المباريات.
ومن الطبيعي أن يستغل بعض المنتقدين في الخارج هذه الحوادث لتوجيه الانتقادات للقارة السمراء، خصوصا رؤية فريق يغادر الملعب أثناء المباراة وعدم تطبيق قوانين اللعبة كما ينبغي من طرف التحكيم. إنه أمر مؤسف بالفعل، وعلى "الكاف" العمل على تفادي مثل هذه الحالات مستقبلا.