نبيل لحلو، آخر الغاضبين

تيل كيل عربي

شهرزاد عجرودي

مربك بما يكفي ليزعج، ضروري بما يجعل تجاوزه مستحيلا.

يعلم أن الصمت ليس نقيض الكلام، بل طبقته الأعمق. لكنه لم يسمح للكلمات أن تمرّ بسلام.

إنه السينمائي والمسرحي الكبير نبيل لحلو، صعب المراس، صادق، غاضب، ثائر، مختلف، موهوب ومجنون بالفن.

خاض معارك جمالية ضد السائد والمطمئن. لم يكن المسرح بالنسبة إليه مجرد هواية مبكرة، بل قدرًا أخذ شكله ببطء.

رأى النور لأول مرةعام 1945 في فاس، بين أسوارها الثقيلة العريقة، ورث عن مدينته حساسية حادّة تجاه الزمن، تجاه السلطة التي تختبئ داخل اللغة وداخل الطقوس والجدران والأزقة الطويلة الضيقة.

غادر المغرب في اتجاه باريس عام 1960 وعمره لا يتجاوز15 سنة، لدراسة المسرح في مدرسة École CharlesDullin وأكاديمية مسرح الشعوب.

في ظلال ويليام شكسبير وألبير كامي... بدأ وعيه الفني يتبلور كجرح فكري مفتوح.

عاد إلى المغرب عام 1970، لكن هذه العودة لم تكن لابن مطيع. بل لمبدع نخبوي سابق لأوانه.

في مسرح الهواة، بدأ نبيل لحلو يقترب تدريجيا من المهنة التي ستلتهم حياته كلها.

كان آنذاك شابا يمشي بخفة نحو الاحتراف، مسكونا بخشبةٍ لم تكن قد كشفت له بعد كل أسرارها.

في حضن فرقة مسرحية حملت اسم "الطليعة"، أخرج أولى مسرحياته، "الساعة"، سنة 1965، وقدمها في الهواء الطلق أمام "باب الماكينة"، البوابة التاريخية لفاس والتي ستتحول فيما بعد إلى فضاء تعبره موسيقى العالم وروحانياته.

بدا الأمر حينها كما لو أن شابا نحيفا يجرّب لأول مرة كيف يمكن للزمن أن يحصر نفسه فوق خشبة.

ثم جاء عام 1978، السنة التي سيخرج فيها نبيل لحلو فيلمه السينمائي الأول تحت عنوان، "القنفودي". أغرم بالسينما، فأتبعه بسلسلة من الأفلام التي خلقت جدلا واسعا ولاقت انتقادات لاذعة. ربما لأنها كانت مختلفة، جريئة وسريالية.

ومن أشهر أفلامه السينمائية التي ظلت عالقة في ذاكرة المغاربة، الذين احتفظوا برنين عنوانه المفاجئ، "الحاكم العام لجزيرة الشاكر باكر بن". والذي تلته سلسلة من الأعمال السينمائية نذكر منها، "إبراهيم ياش، ليلة القتل، سنوات المنفى، شوف الملك في القمر، ثابت أو غير ثابت ... ونهيق الروح"، الفيلم الذي شكل أول تجربة سينمائية لصوفيا هادي، وهي لم تتجاوز الثامنة عشر سنة، لتصبح منذ ذلك الوقت الزوجة والممثلة ورفيقة الحلم لأكثر من أربعة عقود، كسرت فيها رفقة نبيل لحلو حدود المسرح التقليدي وقدما معا تجارب مشحونة بالجرأة والتفرد. في أعمال سينمائية ومسرحية مثل "الانهيار ل "ألبير كامي"، الإمبراطور، أوفيليا لم تمت، امرأة المسدس لـ "ماري رودوني"، ماشا مشمشة تريد دورا في محاكمة سقراط" وغيرها الكثير...

شراكة فنية وإنسانية امتدت لأزيد من 20 سنة، أنجبا فيها طفلين صارا الآن شابين مقبلين على الحياة، كرم الزين المسكون بالفن وهو يقيم منذ فترة في باريس ومارية كنزي السينمائية التي تعد بالكثير.

لم يكن نبيل لحلو مجرد مخرج أو ممثل فقط، بل كان صاحب رؤية جمالية متكاملة، ترفض التبعية للمركز الأوروبي كما ترفض النفاق الاجتماعي والانغلاق داخل تقاليد محلية جامدة.

خاض تجربة التدريس في الجزائر خلال السبعينيات، وعمل مع المسرح الوطني هناك، في لحظة كان فيها الحلم المغاربي لا يزال ممكنًا، وكانت الثقافة تُعامل باعتبارها مشروع تحرّر، لا مجرد ترف.

أما في السينما، فقد كرر نفس المغامرة، بأدوات مختلفة. أسّس شركة إنتاجه الخاصة وكان يعتبر أي تدخل للمؤسسات بمثابة تقييد لرؤيته الفنية والإبداعية.

عناوينه السينمائية مستقلة، ذاتية وصادمة، يلعب فيها الدور الرئيسي غالبًا وكأنه يصرّ على وضع جسده داخل النار.

شخصياته السينمائية، لا تختلف كثيرا عن شخصياته المسرحية، تعيش على الحافة، منفية، ساخرة، صارخة، غاضبة، غريبة ومحمّلة بأسئلة الوجود.

ويعتبر امتلاكه لمسرح يحمل اسمه في الرباط "مسرح نبيل لحلو"، إعلانا واضحا عن رغبته في خلق فضاء مستقل، معزول، يُمارس فيه فنه بشروطه الخاصة.

عرف برسائله المفتوحة للوزراء وكبار الدولة والمهتمين بالشأن الثقافي في بلادنا، يتحدث فيها عن هشاشة الفنان المغربي وعن حاجته لوضع اعتباري يسمح له بالإبداع والإنتاج في ظروف مواتية وموضوعية. ومن أشهر هذه الرسائل تلك التي وجهها لملك البلاد محمد السادس تحت عنوان، "من نبيل لحلو أمير المزلوطين إلى ملكه محمد السادس أمير المؤمنين"، والتي افتتحها بعبارة، "أنا حزين يا صاحب الجلالة...".

كان نبيل لحلو محبا للموسيقى، كما لو أنه يُصغي إلى طبقات خفية من العالم.

ميالا للجاز بما فيه من ارتجال حرّ، ومن قلقٍ جميل لا يستقر، كما كان يجد في الموسيقى الكلاسيكية ذلك البناء العميق الذي يشبه هندسة الروح وهي تقاوم الفوضى.أما أسمهان، فكانت تمرّ في مزاجه كندبةٍ عذبة.

أحبّ التصوير الفوتوغرافي بشغفٍ خفي واقتنى آلات تصوير احترافية ظلّت ترافقه طويلًا، كأنها امتداد آخر لنظرته القلقة إلى العالم وقد ترك خلفه أرشيفًا من الصور لوجوه وأمكنة وظلال، كان يقتنصها مثل لحظات هاربة من الزمن.

وكان يحب سورة "التكاثر" على نحو خاص، يرددها كثيرًا ويتوقف طويلًا عند الآية:﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حتى زرتم المقابر﴾، التي ربما تصبح وسما منقوشا على قبره.

نبيل لحلو لم يكن مجرد اسم في تاريخ الفن المغربي، كان ولا يزال ظاهرة مسرحية بامتياز، كما عبر عن ذلك عرضه الأخير “نبيل لحلويحكي نبيل لحلو”، الذي احتضنه مسرح محمد الخامس في الرباط، وقد جاء على شكل سيرة ذاتية، وكأنه أراد أن يقول من خلال هذا العمل المسرحي، هذا أنا، ما زلت هنا، وما زلت غير صالح للترويض.

تجربته ليست مدرسة جاهزة ولا وصفة قابلة للتكرار، بل أثرا حادا، جرحا مفتوحا في ذاكرة المسرح المغربي.

حضوره انفجار هادئ في الفراغ. ونظرته برقٌ يسكن الغياب.

خفيف بما يكفي ليعبر، ثقيل بما يكفي ليذكر.

لم يعترف بمسرح لا يوجع، ولم يثق قط في فنّ لا يغامر بجسده في النار.

جريح، مؤلم، واضح، لا ينسى.

اليوم، وبعد عقود من الاشتباك، غادر نبيل لحلو المشهد الثقافي المغربي في السابع من ماي 2026 دون أن يغادرنا، نجا من معارك كثيرة دون حاجة لأن يبدّل سلاحه. لم يصالح السائد، ولم يطلب الغفران.