سورة البروج

هادي معزوز

الزمان: صباح شتائي من شهر كانون الثاني ( دجنبر) كل شيء بارد وقار، ينافس برودة هذا الصباح وما قبله وما بعده..
المكان: مدرسة من المدارس..
الحدث: قبل بداية حصة الثامنة، يسأل معاذ صديقه الحميم: هل استظهرت السورة؟ يجيبه الثاني بكل ثقة في النفس: استظهرتها قبل هذا العام في المسيد. يقاطعهما مصطفى: أتممتها هذا الصباح.. تدخل سناء على الخط: أتممتها مساء السبت. والدا مصطفى وسناء يشتغلان مدرسين في نفس المدرسة، لهذا فكل خطأ وارد منهما إهانة لأبويهما قبل كل شيء. عادل لا يتكلم إلا حينما يصمت الجميع.. لا يحب أن يتكلم عن أحوال الدراسة وإن كان نجيبا منافسا لمعاذ وصديقه الحميم ومصطفى وسناء...

كانوا ينظرون إلى التلاميذ الكسالى بترفع واحتقار، يشبه الترفع المرسوم على خريطة العالم في الفصل الدراسي بين دول الشمال ودول الجنوب، مثلما يشبه ترفع المدرسين فيما بينهم، كما روى مصطفى وأكدته سناء خلال لحظة بوح من استراحة صباح يوم منسي ومجهول من دنيا الناس.

حان وقت الصف، الكل يقف بانتظام كأنه يوم الحشر، والكل يرتدي المعاطف والسترات الداكنة، يغطون رؤوسهم ويضعون أصابعهم المنكمشة داخل جيوب السراويل أو السترات، أعناقهم مشرئبة نحو باب المؤسسة، والكسالى من الخلف يتضرعون إلى السماء بهمس: ندعو من الله أن يسلط مصيبة على المعلمة كي لا تأتي.. يتذكرون المعلمة ويتذكرون تلك الكاريزما والملامح التي تمزج بين الصرامة والتحدي والإبداع واللطف الخفي المحتشم.. يتذكرون كل ذلك دون أن يتذكروا حفظ السورة التي أمرتهم باستظهارها عن ظهر قلب خلال الجمعة المنصرم. ثم تتأخر المدرسة، ومع هذا التأخر يعظم أمل الكسالى في تأجيل حصة الحفظ والضرب. معاذ يحكي لصديقه كيف قضى عطلة نهاية الأسبوع في بيت الجدة، مصطفى ينصت بهدوء، سناء تستدرج صديق معاذ لحديث خاص، عادل يعرف كل شيء وأكثره. والكسالى في الخلف ينتظرون ويتضرعون ويتمنون ويدعون ويأملون.. ثم يشعرون بالإحباط حينما يتراءى لهم شبحها قادما برهبة، يحمل في اليد اليمنى المحفظة التي تضم الكتب والتحاضير ودفتر النصوص، بينما تقبض اليد الأخرى على العصا ذات اللون الأحمر. يصاب الكسالى بالإحباط، تبتسم سناء بخبث، معاد يصمت رفقة صديقه ويعدلان من طريقة وقوفهما، عادل يحافظ على نفس طريقة الوقوف، بينما يفتح مصطفى الباب بما أنه كُلّف بهذه المهمة منذ زمن.
يلج الجميع القاعة، تضع المعلمة المحفظة فوق المكتب دون أن تضع العصا، تقف أمام تلاميذ الصف ثم تقول بصوتها المميز الجميل: من يستظهر سورة البروج؟
يرفع معاذ وصديقه ومصطفى وسناء وعادل أياديهم، تأمرهم المعلمة بأنهم ليسوا معنيين بذلك، تعيد نفس السؤال، بينما التلاميذ الكسالى يتشبثون بأمل ألا تختارهم من بين الآخرين، على الأقل لازالوا ممسكين بحبل النجاة وإن بدأت أوصاله وخيوطه تُفتكُّ رويدا رويدا.. تختار محمدا، ما إن يسمع اسمه حتى يجمد الدم في عروقه ويظهر اصفرار خفيف على وجهه، يقف أمام السبورة مرتجف الرجلين، خائر القوى، يشبك يديه ويضعهما فوق صدره ثم يقول بصوت منخفض والعيون تترقبه: بسم الله الرحمن الرحيم، والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، قتل أصحاب الأخدود..! تقاطعه سناء: وشاهد ومشهود. تحمل المعلمة العصا وتشرع في ضرب محمد على يديه، سناء تبتسم دلالة الانتصار وتتبادل نظرات غريبة مع صديق معاذ.. كانون الثاني لازال يسلط برودته على المكان وعلى أيدي محمد وأيادي الكسالى، يصرخ المسكين ويتضرع إلى المعلمة لكنها لا تسامحه، ولما تكف عن ضربه يهرع بسرعة نحو مقعده ثم يضع يديه على القضبان الحديدية للطاولة تخفيفا لألم العصا!

يعم الصمت برهة فتقطعه المعلمة حينما تنادي على أمينة ـ فتاة متمردة منذ طفولتها، سأعرف بعد ذلك أنها امتهنت البغاء في إحدى دول الخليج ـ تقف ثم تقول للمعلمة بكل شجاعة: لم أحفظها، تذهب إليها ثم تضربها في كل أنحاء جسدها الصغير. بعد ذلك تنادي على ياسين، ينهض بتثاقل، يقف أمام السبورة، ينظر إلينا طالبا النجدة في حالة ارتكابه لخطأ ما، يبتلع ريقه ثم يقول بصوت متقطع: بسم الله الرحمن الرحيم، والسماء ذات البروج واليوم المشهود. ينظر في عيني سناء ثم يكمل: وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود، النار ذ.. ذات ... النار ذات الوقود إذ هم عليها.. ثم يصمت ويتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، ولما تهم بضربه ينفلت منها ويهرب نحو الساحة يصرخ ويبكي ويترجى، تحافظ على صمتها وبرودة أعصابها وتتوعده بعينيها الجارحتين فقط..

ساد شعور جاثم بثقل الزمن سيكسره عادل حينما سيقول لها بغتة وفي ظرف غير مناسب: من هم أصحاب الأخدود؟ سيلتفت الكل نحوه، سيجمد الجميع لدرجة أن البعض منهم اختلجت قلوبهم حينما رأوا الشرر يتطاير من عيني وتقاسيم المعلمة، ثم ستأمره بأن يصعد إلى السبورة، ولما فعل ذلك بكل ثقة في النفس، انهالت عليه بالضرب المبرح بينما نحن منكمشون نشعر بالخوف والرهبة، خاصة وأنها المرة الأولى التي يُضرب فيها عادل بما أنه كان ينتمي إلى طبقة التلاميذ المتفوقين.. في اليوم الموالي سيتغيب عن الفصل وبعدها سيقرر الانتقال إلى مدرسة أخرى.. ستمر الأيام والأسابيع والشهور، دون أن تختل معادلة القسم، حيث بقي المتفوق متفوقا والكسول كسولا، على غرار دول العالم التي تضم في جوفها من هو قوي ومن هو ضعيف.!. سينتهي كانون الثاني وستنتهي معه برودة الطقس والعديد من الحماقات والمغامرات والطيش... لم يستظهر الكسالى سورة البروج التي كنا نحفظها عن ظهر قلب مع جهل شامل لمعانيها..

المغزى: أطفال يحفظون سورة تتحدث عن اضطهاد المؤمنين وعذابهم، بينما يتعرضون هم أنفسهم للعنف والتعذيب باسم الحفظ والتلقين!

مغزى المغزى: رحيل عادل عن المدرسة انتصار للسؤال أكثر منه هزيمة..!

قبل الختم: أقسم أنها قصة واقعية حقيقية.