حذرت الوزيرة الفرنسية السابقة والكاتبة من أصل مغربي، نجاة بلقاسم، من تنامي تأثير المنصات الرقمية في تغذية خطاب الكراهية والاستقطاب، داعية إلى وضع إطار قانوني ينظم عمل شركات التكنولوجيا الكبرى ويحمي المستخدمين، خاصة الأطفال، من آثار الخوارزميات التي تعزز المحتوى المثير للغضب والانقسام.
وجاء ذلك خلال مشاركة بلقاسم، في الندوة الافتتاحية للدورة العشرين لمهرجان "ثويزا" بمدينة طنجة، التي انعقدت، عشية أمس الخميس، تحت عنوان "دفاعا عن الحب في مواجهة الكراهية"، وهو شعار الدورة، حيث قدمت قراءة نقدية للتحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي وانعكاساتها على الحياة الديمقراطية والتعايش المجتمعي.
الاستقطاب الحاد
وقالت إن العالم يعيش حالة من "الاستقطاب الحاد"، موضحة أن الاختلاف في الرأي بات يتحول بسرعة إلى كراهية متبادلة، معتبرة أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مرآة لهذا الواقع، بل أصبحت أحد أبرز العوامل التي تغذيه، من خلال تضخيم الخطابات المتطرفة ونشر الشتائم والمعلومات المضللة.
وأضافت أن النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه شركات التكنولوجيا الكبرى يعتمد على جذب انتباه المستخدمين لأطول فترة ممكنة، وهو ما يدفع خوارزميات هذه المنصات إلى تفضيل المحتويات التي تثير الغضب والخوف والصدام، لأنها تحقق تفاعلا أكبر وتدر أرباحا إعلانية أعلى.
وأكدت أن استمرار هذا الوضع يجعل "الوحشية الرقمية" أمرا عاديا، ويضع الديمقراطيات أمام تحديات غير مسبوقة، مشددة على أن السلطات العمومية مطالبة باستعادة دورها التنظيمي، وعدم ترك هذا المجال في يد شركات تمتلك نفوذا واسعا دون رقابة ديمقراطية.
قانون سير رقمي
وشبهت بلقاسم الحاجة إلى تنظيم الفضاء الرقمي بما عرفه قطاع صناعة السيارات، موضحة أنه كما فرضت أحزمة الأمان، وحدود السرعة، وإجراءات السلامة لحماية الأرواح، فإن العالم أصبح في حاجة إلى "قانون سير رقمي" يحد من الأضرار التي تفرزها المنصات الإلكترونية.
ودعت، في هذا السياق، إلى إلزام الشركات بإعادة تصميم خوارزمياتها حتى لا تروج للمحتوى العنيف أو المثير للكراهية، كما اقترحت فرض أدوات مدمجة في الهواتف الذكية تتيح للمستخدمين تتبع حجم استهلاكهم الرقمي، إلى جانب تعزيز الحماية من الإدمان الرقمي ومن الأخبار الزائفة التي ساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع انتشارها.
المدرسة تخوض معركة غير متكافئة
وانتقدت تحميل المؤسسات التعليمية وحدها مسؤولية التربية الرقمية، معتبرة أن المدرسة تخوض معركة غير متكافئة أمام تقنيات صممت لجذب الأطفال والمراهقين وإبقائهم أطول مدة ممكنة أمام الشاشات، مؤكدة أن الحل يقتضي تدخلا تشريعيا وسياسات عمومية موازية.
واعتبرت أن اللقاء المباشر بين الناس يظل الوسيلة الأنجع لمواجهة الكراهية التي تنتشر عبر الفضاء الافتراضي، مشيرة إلى أن التفاعل الإنساني والتعدد الثقافي يشكلان ركيزة أساسية لبناء مجتمعات أكثر تماسكا وقدرة على مواجهة تحديات العصر الرقمي.
ولم تتردد بلقاسم في تسمية القوى المهيمنة على الفضاء الرقمي، مشيرة إلى شركات "غوغل" (Google)، و"أمازون" (Amazon)، و"فيسبوك" (Facebook)، و"آبل" (Apple)، و"مايكروسوفت" (Microsoft)، المعروفة اختصارا ب "GAFAM"، موضحة أن هذه الشركات لا تكتفي بتقديم الخدمات، بل تعتمد نموذجا اقتصاديا قائما على جمع بيانات المستخدمين وبيعها بأسعار باهظة للمعلنين.
إبقاء المستخدم "سجينا" خلف الشاشة
وأشارت إلى أن هذا النموذج هو ما يفسر إصرار الخوارزميات على إبقاء المستخدم "سجينا" خلف الشاشة، عبر تحفيز مشاعر الغضب والخوف، لأنها المشاعر الأكثر قدرة على ضمان "البقاء الرقمي" لأطول مدة ممكنة.
وحذرت الوزيرة السابقة من الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في تعزيز هذه العزلة، معتبرة أنه يسجن الأفراد داخل "فقاعات الترشيح" أو "فقاعات الفلترة"، التي لا تعرض للمستخدم إلا ما يوافق قناعاته المسبقة، مما ينسف أسس الحقائق المشتركة اللازمة لبناء حياة عامة ديمقراطية.
وضربت مثالا بانتشار مقاطع فيديو زائفة تبدو واقعية تماما، مثل مقطع يظهر نمرا ينقذ طفلا، معتبرة أن مثل هذه المواد تجعل من الصعب على المستخدم العادي التمييز بين الحقيقة والتزييف.
ووصفت بلقاسم الصراع بين المدرسة وشركات التكنولوجيا الكبرى بأنه معركة "داود وجالوت"، قائلة إنه بينما يحاول المعلمون، بـ"ملعقة صغيرة" من النصائح التربوية، ترشيد استخدام الشاشات، تستخدم هذه الشركات تقنيات إدمانية معقدة صممت خصيصا لجذب عقول المراهقين وإبقائهم أطول فترة ممكنة أمام الشاشات.
وشددت، لذلك، على أن هذه المعركة لا ينبغي أن تترك للمعلمين وحدهم، بل تتطلب مواجهة سياسية مباشرة مع جماعات الضغط التابعة لهذه الشركات، من أجل فرض معايير صارمة للسلامة الرقمية.
ومن بين الحلول الملموسة التي اقترحتها، إلزام مصنعي الهواتف الذكية بوضع "لوحة قيادة" (Dashboard) غير قابلة للإزالة، تظهر بوضوح وبشكل آلي حجم الاستهلاك الرقمي اليومي ونوعية المحتوى الذي يستهلكه المستخدم. واعتبرت أن هذا الإجراء تقني بالأساس، لكنه ضروري لحماية الصحة العقلية للمواطنين، تماما كما أجبرت شركات صناعة السيارات، في وقت سابق، على تجهيز مركباتها بلوحات القيادة وأحزمة الأمان، رغم معارضتها الأولية لذلك.
الثقافة الأمازيغية في فرنسا
وفي معرض ردها على سؤال بشأن تدريس اللغة الأمازيغية في فرنسا، دعت بلقاسم إلى تعزيز التعريف بالثقافة والتاريخ الأمازيغيين لدى أبناء الجاليات المغربية، معتبرة أن ترسيخ المعرفة بالجذور الحضارية والشخصيات التاريخية يسهم في تقوية ارتباط الأجيال الجديدة بهويتهم، مع الإقرار بأن إدراج اللغات في المناهج التعليمية يظل مسارا معقدا تحكمه اعتبارات قانونية وتربوية.