"الكوميرا" والدم والذاكرة.. حكاية 20 يونيو في الدار البيضاء

بشرى الردادي

لم تكُن الدار البيضاء في صباح السبت 20 يونيو 1981 مجرد مدينة تستيقظ على يوم جديد، بل كانت جرحا مفتوحا يئن في صمت على امتداد الأحياء الفقيرة، من كاريان سنطرال والحي المحمدي إلى درب السلطان وبوشنتوف. لم يكن في الأفق ما يُنذر بالعاصفة سوى ذلك الصمت المترنح في الأزقة، ونظرات التوجس التي تبادلتها الأمهات في طوابير الخبز، والخوف المتراكم في صدور العمال العائدين من المصانع بلا أجر.

مع شروق الشمس، بدأت الخطى تتثاقل، ثم تحوّلت إلى هتافات، والهتافات إلى حشود. لم يحمل المتظاهرون سوى الغضب وبعض الأرغفة اليابسة التي رفعوها عاليا كما لو كانت رايات الكرامة. الخبز – أو "الكوميرا" – لم يكن مجرد غذاء، بل أصبح رمزا لحياة تُسحب من بين الأيدي. ترددت الهتافات: "واك واك على الدولة، زادت الحليب وزادت الزيت"، بينما ارتفعت شعارات منددة بالحكومة، وبوزير الداخلية، إدريس البصري، الذي سيترسخ اسمه لاحقا في الذاكرة الشعبية كرمز لزمن القمع.

ومع اندفاع الآلاف من الهامش نحو قلب المدينة، كانت عربات القوات المساعدة والدرك والجيش قد تمركزت مسبقا. دقائق فقط، وانطلقت الطلقات. لم يكن الرد مفاجئا بقدر ما كان محسوبا، مُعدا بعناية، وموجّها إلى الجسد المغربي العاري من أي حماية. المدينة كانت تختنق برائحة البارود، وكان الخبز يرتفع من كونه وجبة يومية إلى شعار وشاهد ورمز.

ومن رحم هذه اللحظة القاسية، وُلد التعبير: "شهداء الكوميرا". لم يُنتقَ ببلاغة نُخبوية، بل خرج من فم شعبي ساخر وموجوع، حوّل الخبز من مادة مهضومة إلى لافتة مكتوبة بالدم.

صندوق النقد... والشرارة

في أواخر السبعينيات، دخل المغرب نفقا اقتصاديا مُظلما، لم يكن الخروج منه ممكنا دون ثمن باهظ. فقد تراجعت عائدات الفوسفات، المورد الاستراتيجي الأول، نتيجة لانهيار أسعاره في السوق العالمية، بينما تضاعف العبء المالي بفعل الإنفاق العسكري المتزايد منذ اندلاع نزاع الصحراء عام 1975. بالتوازي، اعتمدت الدولة على نموذج اقتصادي هشّ يقوم على الزراعة والمساعدات الخارجية، دون قاعدة صناعية متينة أو نظام ضريبي عادل.

أمام هذا الواقع، لجأت الدولة إلى صندوق النقد الدولي بحثا عن توازن مالي مفقود. وكان الثمن برنامجا اقتصاديا صارما عُرف لاحقا باسم "التقويم الهيكلي"، الذي طبع السياسات الاقتصادية والاجتماعية لعقود لاحقة. لم يكن مجرد خطة اقتصادية، بل تحول إلى مفصل تاريخي في علاقة الدولة بمجتمعها. فبينما رُوّج له على الورق كوسيلة لتقليص العجز وخفض كتلة الأجور وتحرير الأسعار، كانت أولى نتائجه المباشرة هي رفع الدعم عن المواد الأساسية.

في 28 ماي 1981، أعلنت الحكومة، برئاسة الوزير الأول، المعطي بوعبيد، عن زيادات مفاجئة في أسعار المواد الغذائية: السكر قفز من 1.40 درهم إلى أكثر من 2 دراهم، والزيت من 5.60 إلى أكثر من 7 دراهم، والدقيق بنسبة 50 في المائة، والزبدة بنسبة جاوزت 70 في المائة. القرار صدر دون حوار مجتمعي، ودون إجراءات تخفف عن الفئات الهشة.

رآها صندوق النقد "إصلاحات ضرورية"، لكن المواطن المغربي شعر بأنها طعنة في صميم لقمة عيشه. لم تتوقع الدولة، أو تجاهلت عمدا، أن رفع أسعار الخبز لن يمر بسلام، لاسيما في سياق اجتماعي هش يرزح فيه الملايين تحت خط الفقر. لم تكن تلك زيادات تقنية فحسب، بل إعلان تحوّل جذري في هوية الدولة: من دولة الرعاية إلى دولة الجباية.

الخطاب الرسمي لم يتحدث آنذاك عن "السيادة الاقتصادية"، بل برّر الإجراءات بكونها ضرورية لـ"إنقاذ الاقتصاد الوطني". غير أن ما أُنقذ فعليا كان التوازنات الخارجية، بينما تُرك التماسك الاجتماعي للانهيار. ففي حين كانت النخب تنعم بالراحة في أحياء معينة، كان سكان كاريان سنطرال والحي المحمدي يدفعون ثمن "الإصلاح" من أمعائهم.

وهكذا، تحولت وصفة صندوق النقد من خطة إنقاذ مالي إلى شرارة لاحتجاج اجتماعي واسع. وبينما رآها المسؤولون أداة إصلاح، أدركها الشارع كأداة كسر، دفعت بالمهمّشين إلى واجهة الانفجار.

الدار البيضاء الجائعة

في مطلع الثمانينيات، لم تكن الدار البيضاء مجرد عاصمة اقتصادية للمغرب، بل كانت مرآة كاشفة لفوارق اجتماعية حادة. مدينة تنقسم بين مركز مترف يحتضن مؤسسات الدولة والمصارف والشركات الأجنبية، وهوامش منسية تغلي بهدوء في أحياء كاريان سنطرال، ودرب السلطان، وسيدي معروف، وعين الشق.

تدفقت موجات الهجرة القروية نحو المدينة بعد سنوات الجفاف المتعاقبة في السبعينيات، جالبة آلاف الأسر من نواحي خريبكة وقلعة السراغنة وسطات وشيشاوة، لتجد نفسها في مساكن صفيحية تفتقر إلى أبسط مقومات العيش: لا كهرباء، ولا صرف صحي، ولا أمل. كانت مجرّد فضاءات مقصية عن التخطيط العمراني، تعيش على هامش المدينة وهوامش السياسات.

البطالة كانت تنخر أجساد الشباب، والعمل غير المهيكل هو السبيل الوحيد لكسب لقمة عيش هزيلة: من الحرفيين إلى حمّالة الميناء وباعة الخضر. أما العاملون في مصانع النسيج، فكانوا بالكاد يجنون ما يسد رمق يومهم، دون حماية اجتماعية أو صوت نقابي. النساء كنّ العمود الخفي للاقتصاد الهش: غسّالات، أو خادمات، أو طاهيات في البيوت.

التعليم العمومي كان يئن تحت ثقل الاكتظاظ والبنايات المتداعية؛ حيث يُترك الأستاذ لأكثر من خمسين تلميذا. والمستشفيات المخصصة للفقراء لم تكن تتوفر سوى على الحد الأدنى من الإمكانيات، فيما ظلت المصحات الخاصة حكرا على من يملكون النفوذ أو المال.

لم تكن هناك مسارح، ولا مكتبات، ولا حتى متنفسات ثقافية قادرة على تحويل السخط إلى وعي. كانت المدينة تُخفي تحت جلدها قنبلة اجتماعية موقوتة، تستنشق الصبر وتزفر الغضب.

حتى الأحياء التي كانت تُصنّف شعبية في الخمسينيات؛ كدرب السلطان والحي المحمدي، تحوّلت إلى معازل اجتماعية تسكنها الحفر والنفايات، ويتداول الناس فيها أخبار الانتحار والسرقة والهجرة أكثر من تداولهم لأخبار الدولة.

في مثل هذا المناخ، لم يكن رفع أسعار المواد الأساسية قرارا عابرا، بل لطمة على وجه أحياء لم تعد تملك القدرة حتى على الصراخ. حين سُحبت "الكوميرا" من متناول اليد، لم يكن أمام الفقراء سوى الشارع، الشارع الذي يعرفونه جيدا، ويعلمون أن الخروج إليه قد لا يعيدهم إلى بيوتهم، لكنه بدا حينها أقل قسوة من الجوع.

كانت البنية الاجتماعية للدار البيضاء عام 1981 تشبه أرضا متشققة مشبعة بالبارود، تنتظر فقط الشرارة.

من الأرغفة إلى الرصاص

مع بزوغ شمس السبت 20 يونيو 1981، كانت مدينة الدار البيضاء تتحوّل من صمت مشوب بالتوتر إلى ضجيج غاضب. لم تكن هناك دعوة مركزية للتظاهر، فالإضراب العام الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل كان مُقرّرا لليوم السابق، وقد واجهته الدولة باعتقالات وقمع مبكّر. ومع ذلك، خرج الناس. ليس بدعوة من حزب أو نقابة، بل بنداء من الجوع.

بدأت أولى التظاهرات من أحياء الحي المحمدي وكاريان سنطرال، ثم ما لبثت أن امتدت إلى درب السلطان، ومرس السلطان، وابن امسيك. كانت حشود الشباب تتجمع في الأزقة، يهتفون ضد الغلاء، يرفعون أرغفة الخبز، ويكسرون واجهات بعض المحلات الكبرى التي كانت ترمز في نظرهم إلى النخبة المتخمة.

في المقابل، كانت الدولة مستعدة. منذ الليلة السابقة، نشرت وزارة الداخلية وحدات من الشرطة، والقوات المساعدة، والدرك، بدعم من وحدات من الجيش، في مداخل المدينة، على أسطح البنايات، وفي محيط المؤسسات الرسمية. لكن هذه الاستعدادات لم تكن لأجل التهدئة أو ضبط التظاهرات، بل من أجل الردّ الصلب والفوري. ومع حلول منتصف النهار، صدرت التعليمات بإطلاق الرصاص الحي.

سُمع أول إطلاق نار في ساحة السراغنة، ثم في درب الفقراء، وأحياء الحي المحمدي. وفق شهادات متعددة، كان القنص موجّها مباشرة إلى الرؤوس والصدور. لم يكن الهدف تفريق التجمهر، بل إخماده بصدمة قاتلة. بعض الضحايا قُتلوا وهم يركضون، آخرون سقطوا وهم يلوّحون بأرغفة الخبز.

تقول شهادات لصحفيين ونقابيين أن سيارات الإسعاف لم تكن تكفي، وأن الشاحنات العسكرية استُخدمت لجمع الجثث ونقلها إلى وجهات مجهولة. أُغلقت شوارع بأكملها، واعتُقل مئات المتظاهرين، بينهم قاصرون ونساء. ورغم أن الحكومة أعلنت لاحقا عن سقوط 66 قتيلا فقط، إلا أن تقارير صحفية دولية وحقوقية قدّرت العدد الحقيقي بين 600 و1000 شهيد، دُفن عدد كبير منهم سرا في مقبرة جماعية بسيدي مومن.

أُطلقت على هذا الحدث فيما بعد تسميات كثيرة؛ كـ"انتفاضة الجوع"، و"مجزرة البيضاء"، و"يوم الكوميرا". لكن الأكثر تعبيرا عنها جاء من لسان أهل المدينة أنفسهم: "نهار خلات الدولة ولادها في الزنقة ودفنّاتهم بلا صلاة".

الرصاص ينتهي... والتشويه يبدأ

ما إن هدأت أصوات الرصاص في شوارع الدار البيضاء يوم 20 يونيو 1981، حتى انطلقت لغةٌ من نوع آخر: لغة الإنكار، والتحقير، والتشويه. الدولة التي واجهت المحتجين بالنار، اختارت أن تواجه الحقيقة بالكلمات المسمومة.

في خطاب ملكي بُث لاحقا، وصف الملك الحسن الثاني المنتفضين بأنهم "رعاع"، واتهمهم بـ"التخريب والهمجية"، مشيرا إلى أن ما حدث ليس سوى تمرد مدفوع من "أطراف خارجية مشبوهة". لم يتضمن الخطاب أي اعتراف بمشروعية المطالب الاجتماعية، أو حتى إشارة إلى مسؤولية الدولة عما حدث. كان الخطاب تعبويا، يؤسس لرواية رسمية ترى في الفقراء خطرا أمنيا لا مواطنين غاضبين.

أما وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، فقد تجاوز الجميع في قسوته اللغوية. استخدم في وصف المتظاهرين عبارة: "كل هذا من أجل كوميرا؟"، في تلميح ساخر يُحمّل الفقراء مسؤولية الغضب، ويُحقّر مطلبهم الأساسي: الخبز.

الإعلام الرسمي تبنّى رواية الأمن بالكامل. بُثّت تقارير جزئية تظهر صورا لمحلات محطّمة وواجهات مخربة، متجاهلا تماما مشاهد الجثث أو شهادات المواطنين. الصحف الرسمية كتبت عن "عصابات منظمة"، و"تخريب للممتلكات"، و"أعداء الوطن". أما الصحف المستقلة والمعارضة، فكانت تُصادر فور صدورها.

الهدف كان واضحا: قطع العلاقة بين الغضب ومشروعيته، وتحويل الضحية إلى متّهم.

الذاكرة التي لم تصمت

في الوقت الذي كانت فيه الدولة تُحكم قبضتها الأمنية والإعلامية على مجريات ما بعد 20 يونيو، لم تصمت المعارضة. بل خاضت معركة شرسة على جبهتين: كشف الحقيقة، وتثبيت سردية مضادة لا تفرّط في دماء الفقراء.

أبرز من تصدّى للرواية الرسمية كان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وذراعه النقابي الجديد حينها، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. هذه الكونفدرالية، التي دعت إلى الإضراب العام يوم 18 يونيو، كانت في بداياتها التنظيمية، لكنها نجحت في كسر حاجز الخوف.

أصدر الاتحاد الاشتراكي والكونفدرالية بيانات حمّلت الحكومة مسؤولية ما جرى، وطالبت بفتح تحقيق. وُوجهت هذه المواقف بالقمع؛ حيث اعتُقل عدد من النقابيين، وطال التضييق صحفيين وطلبة.

ورغم التعتيم، بدأت تنمو نواة أولى لذاكرة المقاومة. نشطاء ومثقفون وحقوقيون عملوا – بصمت – على جمع الشهادات، وتوثيق ما استطاعوا، وخلق وعي موازٍ لما تنشره السلطة.

مقبرة بلا أسماء

في ضواحي مدينة الدار البيضاء، بعيدا عن ضجيج المدينة وأحلام التنمية، توجد قطعة أرض تُعرف اليوم بـ"مقبرة سيدي مومن". لا لافتة تدل عليها، ولا تمثال، ولا نصب تذكاري. لكن في جوفها، دُفن جزء من الذاكرة المغربية الأكثر إيلاما: جثث شهداء انتفاضة 20 يونيو 1981.

بعد المجزرة، جمعت شاحنات عسكرية جثث الضحايا تحت جنح الظلام. لا محاضر رسمية، ولا توثيق لهويات القتلى، ولا تواصل مع الأسر. بعض العائلات لم تعلم حتى اليوم إن كان أبناؤها من بين المدفونين هناك.

الدفن الجماعي الصامت كان استراتيجية سياسية لإقفال الجرح قبل أن يُفتح، ولمحو الحدث قبل أن يُروى. لم تُجر أي تحقيقات، ولم يُسمح لأي هيئة مستقلة بالنبش في الملف.

هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها النهائي سنة 2005 أشارت إلى انتهاكات جرت في البيضاء، لكنها لم تفكك الغموض أو تطالب بجبر رمزي صريح.

الصدمة... وتغيير المعادلة؟

رغم وحشية القمع، فإن الدولة أدركت أن الاستقرار الذي لا يتأسس على العدالة هشّ. تم تفعيل صندوق المقاصة، وأُعيد النظر في وتيرة تنفيذ برامج التقويم الهيكلي.

تطوّر نسبي حدث في العلاقة بين الدولة والنقابات، وبدأت ملامح "الحوار الاجتماعي" تتبلور لاحقا. لكن أصل الأزمة – غياب العدالة الاجتماعية – لم يُحلّ.

تكرّرت الانتفاضات في فاس عام 1984، ثم طنجة عام 1990، ثم الريف وجرادة بعد عام 2011. ما يدل على أن 20 يونيو لم تكن نهاية حقبة، بل بداية دورة احتجاجية طويلة الأمد.

حين يثور الخبز

بعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال مجزرة شهداء الكوميرا بلا اعتراف رسمي، وبلا نصب، بلا ذاكرة مؤسساتية. لكنهم حاضرون في وعي الناس، وفي الأغاني، وفي الشعارات، وفي الخبز الذي يُرفع في كل مظاهرة.

انتفاضة 1981 لم تكن حادثة عرضية، بل لحظة تأسيسية في تاريخ المغرب الاجتماعي والسياسي الحديث. ومادامت أسبابها قائمة، فإن تكرارها يظل احتمالا دائما.

الذاكرة لا تموت، حتى لو لم تُعلّق في كتب التاريخ. وما لا يُقال، يبقى، حتى حين يصمت الجميع.