مع اقتراب عيد الأضحى، يطفو إلى السطح من جديد جدل أسعار الأضاحي، في سياق يتسم بتداخل معقد بين عوامل الإنتاج والطلب والظروف المناخية، ما يعيد طرح سؤال التوازن داخل سوق الماشية بالمغرب.
ويبرز هذا الملف كأحد أكثر القضايا حساسية خلال هذه الفترة، بالنظر إلى تأثيره المباشر على القدرة الشرائية للأسر، وما يكشفه من تفاوتات في الكلفة والأسعار بين مختلف الجهات والأسواق.
العرض والطلب وتفاوت الجهات يفرضان واقع السوق
في هذا الصدد، قال عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إن المستهلك يتحمل، بدوره، جزءا من المسؤولية في ما يتعلق بارتفاع الأسعار، إذ لوحظ أن الارتفاع الكبير في الأثمنة تزامن أساسا مع يومي السبت والأحد، حيث شهدت الأسواق في هذه الفترة إقبالا كثيفا من طرف المشترين. وهنا تبرز، يضيف البوتشيشي، بوضوح آلية العرض والطلب، فبمجرد ارتفاع الطلب ودخول عدد كبير من المشترين إلى الأسواق، عمد بعض "الشناقة" والبائعين إلى رفع الأسعار، مع تسجيل تفاوت في الأثمنة بحسب المناطق والأسواق.
وأوضح البوتشيشي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن اعتماد الدار البيضاء، أو جهة الدار البيضاء-سطات، مرجعا وحيدا للحكم على أسعار الأضاحي لا يعكس الصورة الكاملة للسوق الوطنية، إذ ينبغي استحضار أوضاع مناطق أخرى مثل ميسور وكرسيف ووجدة وخنيفرة وأكلموس وأكادير وتارودانت، حيث تختلف طبيعة العرض والأسعار.
وأبرز المستشار الفلاحي أن بعض المناطق، خاصة بجهة الدار البيضاء-سطات والحوز والرحامنة، تعرف حضورا قويا لسلالة "الصردي"، وهي سلالة يرتفع عليها الطلب بشكل كبير، ما يساهم في إعطاء الانطباع بارتفاع عام للأسعار، في حين أن هناك سلالات أخرى متوفرة بأثمنة أقل، كما أن العرض على المستوى الوطني يفوق الطلب بكثير.
تكلفة التربية تفرض منطقها.. لماذا ارتفعت أسعار الأضاحي؟
وفي سياق متصل، أفاد البوتشيشي أن أول عامل يفسر ارتفاع أسعار الأضاحي يتمثل في ارتفاع تكلفة الإنتاج، معتبرا أن المستهلك يركز اليوم على ثمن الأضحية دون أن يتساءل عن كلفة تربية الماشية مقارنة بالسنوات التي سبقت جائحة كورونا. وأضاف أن هذا السؤال أساسي لفهم أسباب غلاء اللحوم والأضاحي، لأن أسعار الأعلاف عرفت ارتفاعا كبيرا خلال السنوات الأخيرة.
وأشار المستشار الفلاحي إلى أن المربين كانوا يقتنون مادة "الفارينا" بثمن يتراوح بين درهم ونصف ودرهمين، كما أن سعر الشعير المدعم كان لا يتجاوز درهمين للكيلوغرام، والذرة حوالي درهمين، فيما كانت النخالة تباع بحوالي درهم ونصف. وأبرز أن ثمن كيس النخالة كان في حدود 80 درهما قبل صرف الدعم، لكنه ارتفع رغم الدعم إلى حوالي 130 درهما، أي بزيادة تناهز 50 درهما، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة تربية القطيع وأسعار البيع.
وأوضح أن أسعار الأعلاف عرفت بدورها ارتفاعات كبيرة خلال هذه السنة، موضحا أن الشعير الذي كان يُباع مدعما بحوالي درهمين للكيلوغرام، اقتناه الكسابة هذه السنة بحوالي 4 دراهم. وأضاف أن ثمن العلف المركب، الذي كان يتراوح بين درهمين و30 سنتيما ودرهمين و50 سنتيما، ارتفع ليصل إلى حوالي 4 دراهم و40 سنتيما، فيما انتقل ثمن حزمة التبن من 10 و15 درهما إلى حوالي 60 درهما. مؤكدا أن هذه المعطيات توضح بشكل جلي أن تكلفة الإنتاج أصبحت مرتفعة بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الأضاحي واللحوم.
وأضاف أن تكلفة تربية الأضاحي تبدأ منذ ولادة الخروف، موضحا أن النعجة التي تلد الخروف تستهلك، إذا احتسب معدل تغذيتها في حدود 6 دراهم يوميا على امتداد السنة، ما يقارب 2200 درهم. وأشار إلى أن إعداد الخروف نفسه وتسمينه يتطلب بدوره مصاريف إضافية لا تقل عن 1500 درهم، ما يعني أن التكلفة الإجمالية تصل إلى حوالي 3500 درهم، دون احتساب مصاريف اليد العاملة أو التنقل وباقي التكاليف المرتبطة بالتربية والإنتاج.
وأشار إلى أن الحديث عن تكلفة الإنتاج يفرض أيضا استحضار ارتفاع كلفة اليد العاملة في العالم القروي، موضحا أن العامل الذي كان يتقاضى في السنوات الماضية حوالي 70 درهما في اليوم، أصبح أجره اليوم يصل إلى 300 درهم يوميا. واعتبر أن الأسعار الحالية للأضاحي، عند مقارنتها بمجموع تكاليف التربية والإنتاج، تبقى أمرا عاديا وطبيعيا بالنظر إلى الارتفاع الكبير الذي عرفته مختلف المصاريف المرتبطة بالقطاع.
غياب المرعى وارتفاع أثمنة الأعلاف.. الأسباب العميقة وراء ارتفاع أسعار الأضاحي
وكشف البوتشيشي، من جهة أخرى، أنه رغم الحديث هذه السنة عن موسم ممطر، فإن الواقع في عدد من المناطق الفلاحية يختلف، موضحا أنه إذا تم التوجه حاليا إلى مناطق مثل سطات والشاوية فسيلاحظ أن الأراضي ما تزال محروثة ومزروعة بالقمح والشعير و"الخرطال"، وهو ما يجعل الرعي غير ممكن في هذه المرحلة. وأضاف أن الكسابة سيضطرون إلى انتظار انتهاء موسم الحصاد قبل الاستفادة من المراعي، ما يعني استمرار الاعتماد على الأعلاف وتحمل تكاليف إضافية.
ولفت الانتباه إلى أن تكلفة الخروف قد تنخفض السنة المقبلة، بالنظر إلى أن الموسم الفلاحي يبدأ عادة في شتنبر وينتهي ما بين يونيو ويوليوز، ما يعني أن مرحلة الرعي الفعلية تنطلق بعد فترة الحصاد، وهو ما قد يساهم في تخفيف الكلفة.
وأضاف أنه في السنوات السابقة كان المرعى يغطي حوالي 75 في المائة من حاجيات القطيع ويخفف بشكل كبير من تكلفة التربية، بينما في سنوات الجفاف الحالية لم يعد يوفر سوى ما بين 0 و10 في المائة على أقصى تقدير، وهو ما يفسر ارتفاع كلفة الإنتاج بشكل مباشر.
وأوضح أنه في تلك الفترة، ورغم صعوبة الظرفية، لم تشهد لجوء الدولة إلى استيراد الخرفان أو اللحوم المجمدة، كما لم يتم تخصيص دعم مباشر للأضاحي، معتبرا ذلك مؤشرا على محاولة ضبط السوق وفق آلياتها الطبيعية. غير أنه أشار إلى وجود بعض المواقف التي تعتبر أن أي دعم تقدمه الدولة للكسابة يجب أن ينعكس مباشرة على أسعار البيع، وهو طرح لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذا الدعم وحدوده.
وأضاف أن الدعم العمومي الموجه للقطاع يتركز أساسا في دعم الأعلاف، الذي يتراوح ما بين 100 و150 درهما، إضافة إلى دعم خاص بالمحافظة على الإناث يقدر بحوالي 300 درهم، ليصل مجموعه إلى حوالي 450 درهما.
وخلص إلى أن هذا المبلغ، رغم أهميته، يبقى محدودا مقارنة بتكاليف الإنتاج المرتفعة، ولا يسمح بمحاسبة الكسابة بشكل مبالغ فيه على مستوى الأسعار، خاصة أنهم يتحملون بدورهم أعباء إضافية مرتبطة بالضرائب على الأعلاف ومختلف مصاريف الإنتاج.