الصين وروسيا نحو دعم الحكم الذاتي.. تحولات هادئة في مواقف الكبار من قضية الصحراء المغربية

بشرى الردادي

في عالم تتقاطع فيه التحالفات على أنقاض النظام الدولي القديم، تجد قضية الصحراء المغربية نفسها من جديد في قلب لعبة الأمم؛ حيث تهمس بكين وتناور موسكو، بينما تُعيد الرباط رسم قواعد الاشتباك بهدوء الواثق.

وفي هذا السياق، رصدت دراسة تحليلية حديثة صادرة عن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أعدّها الباحثان رضى اليموري وفدوى العماري، تحت عنوان: "الصين وروسيا في مواجهة قضية الصحراء المغربية: نحو تقارب في المصالح الاستراتيجية"، تحولات دقيقة في مواقف الصين وروسيا تجاه النزاع، مشيرة إلى أن "الانخراط التدريجي لهاتين القوتين لا يمكن قراءته بمعزل عن إعادة توزيع النفوذ في إفريقيا، وسعيهما إلى تحقيق توازن مصالح بعيدا عن الاصطفافات الحادة".

ويهدف هذا التقرير إلى تحليل التحولات الهادئة التي طرأت على موقفي الصين وروسيا تجاه قضية الصحراء المغربية، من خلال تتبع سياقها التاريخي، وفهم دوافعها السيادية والاقتصادية، واستقراء تداعياتها الجيوسياسية، بالاستناد إلى الدراسة نفسها، مع توسعة في القراءة لتشمل القوى الصاعدة وإعادة تشكيل الشرعية الدولية.

من الحياد المبدئي إلى الانخراط البراغماتي

وسجلت الدراسة أنه بعيدا عن الاصطفافات الحادة التقليدية، بدأت مواقف الصين وروسيا تتحول تدريجيا من الحياد المبدئي إلى نوع من الانخراط البراغماتي، وهو ما يفتح للمغرب آفاقا جديدة خارج الدوائر الغربية التقليدية.

وأظهرت بكين منذ البداية حرصا على خطاب قانوني يركّز على احترام السيادة وعدم التدخل، دون اعتراف صريح بجبهة البوليساريو الوهمية أو بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا لافتا، تمثل في تصويتها لصالح القرار 2602، عام 2021، وتبنّيها مفردات؛ من قبيل "الحل التوافقي" و"الواقعية السياسية". أما روسيا، فرغم تاريخها المرتبط بدعم الجزائر، لم تعترف قط بالكيان الانفصالي، واختارت منذ عام 2016 منهجا تصالحيا من خلال الامتناع بدل المعارضة، مع إرسال إشارات ضمنية؛ أبرزها حديث لافروف عن الوساطة في يناير 2025.

دوافع خفية وتحولات سلوكية

في ضوء إعادة تشكّل ميزان القوى العالمية، سجل المصدر نفسه أن السيادة تبرز كمدخل رئيسي لفهم تحولات المواقف الصينية والروسية تجاه الصحراء المغربية. ويعتمد الموقف الصيني على مقاربة سيادية راسخة، تتقاطع مع حساسياتها التاريخية في قضايا تايوان والتبت وشينجيانغ. وفي هذا الإطار، تبدو المبادرة المغربية للحكم الذاتي نموذجا مقبولا ضمن منطق "دولة واحدة، أنظمة متعددة". أما روسيا، المنخرطة في نزاع مفتوح بأوكرانيا، فتسعى لتبرير ضم مناطق بناء على منطق رفض الانفصال؛ ما يجعل من المقاربة المغربية أداة براغماتية للحياد أو الدعم غير المعلن.

وتُظهر بعض الأدبيات السياسية تقاطعا مثيرا للاهتمام بين النموذج المغربي ومواقف الدولتين في قضايا أخرى؛ مثل رفض الصين لاستقلال تايوان، أو رفض روسيا لقيام كيانات جديدة في المجال السوفيتي السابق. هذا التقاطع لا ينفصل عن تحول تدريجي رصدته الدراسة منذ عام 2016؛ حيث بدأت مواقف موسكو وبكين تعرف تحولات صامتة ولكن دالة، تتجلى في التصويتات، والمبادرات، والخطابات، بما يعكس ذكاء استراتيجيا في التموضع، يسمح لهما بالموازنة بين ثوابتهما ومصالحهما الآنية.

المصالح تحكم الخيارات

وتُعد العلاقات الاقتصادية المتسارعة بين الرباط وكل من بكين وموسكو عاملا حاسما في إعادة تشكيل المواقف. فالمبادلات التجارية الصينية المغربية تجاوزت 8 مليارات دولار، عام 2024، مع استثمارات في الطاقات النظيفة، والبنية التحتية، والتصنيع، والمشاريع اللوجستية؛ كميناء الناظور غرب المتوسط. في المقابل، وجدت روسيا موطئ قدم جديدا بعد انسحاب الأوروبيين من اتفاق الصيد البحري. وفي ظل هذا الزخم، توظف الصين منتديات الحزام والطريق والتعاون الصيني-الإفريقي لبناء شرعية ناعمة، فيما تعتمد موسكو على التأثير الثقافي والإعلامي والدبلوماسية المتعددة الأطراف.

وأشارت الدراسة إلى أن هذا التوسع الاقتصادي لا يُفصل عن منطق تجنّب الصدام؛ حيث تفضل القوتان الحذر الاستراتيجي مع الغرب، دون أن يمنعهما ذلك من تعميق الشراكات مع المغرب بطرق غير صدامية. وتُظهر التجربة الروسية تحديدا توجها لتكثيف البرامج الثقافية في شمال إفريقيا، واستعمال الإعلام الناطق بالعربية كأداة تأثير ناعم. ويمكن للمغرب، في هذا الإطار، أن يواصل استثمار هذه الروابط الاقتصادية والثقافية لتعزيز حضوره كفاعل إقليمي لا غنى عنه.

المغرب بوابة النفوذ الهادئ

بين الخطاب والممارسة، تُلاحظ الدراسة فجوة متنامية لدى بكين وموسكو. فهما تتحدثان عن الحياد والموقف المتوازن، لكن سلوكهما الفعلي يدل على انخراط تدريجي في المقاربة المغربية، من خلال الامتناع عن معارضة قرارات داعمة للمغرب أو المساهمة الصامتة في الدفع نحو حل واقعي.

وأوضح المصدر نفسه أن موسكو تدرك أن قرارات مجلس الأمن تُعد غالبا بالتنسيق بين واشنطن وباريس، لذا تختار نهج "الامتناع البنّاء"، محافظة على موقعها كوسيط محتمل. أما الصين، فتعتمد سياسة "التحييد التعاوني"؛ حيث تشارك في بعض المبادرات دون دعم معلن لجبهة البوليساريو الوهمية. وراء هذا الحياد الظاهري، تبدي بكين وموسكو إشارات تفيد بتبنٍّ تدريجي للمقاربة المغربية، لكونها لا تصطدم بثوابتهما السيادية وتوفر لهما هامشا آمنا لحماية مصالحهما الاستراتيجية في القارة.

وبدأ هذا التحول البراغماتي يُترجم إلى آثار ملموسة على المستوى الدولي. فقد ساهمت مواقف الصين وروسيا الأقل صدامية في إضعاف زخم مقترحات كانت الجزائر تسعى لدفعها داخل الاتحاد الإفريقي. كما أدى امتناعهما المتكرر عن معارضة قرارات مجلس الأمن – مثل القرار 2602 – إلى تحييد أي تهديدات باستخدام الفيتو؛ ما خلق مسارا أكثر استقرارا لصالح المقاربة المغربية. ووفق مصادر دبلوماسية متابعة، فإن هذا التوجّه أتاح للرباط هوامش أوسع للحركة داخل المنظمات متعددة الأطراف، وعزز من قدرة المغرب على الدفع نحو اعتراف غير مباشر بمبادرته، حتى من قبل دول لم تكن تُصنّف سابقا ضمن "أصدقاء المغرب".

ويكتمل هذا التموقع الهادئ بتحول الخطاب الدبلوماسي داخل بعض المنتديات الإفريقية؛ حيث لوحظ تراجع ملحوظ في عدد البيانات التي تتبنى خطابا انفصاليا صريحا، وتزايد المواقف الرمادية التي تُفسّر ضمنيا كمساحات جديدة لصالح المبادرة المغربية.

تحالفات المصالح وإعادة تشكيل الشرعية

لا تقتصر مؤشرات الانفتاح على الصين وروسيا فقط، بل تشمل أيضا قوى صاعدة؛ كالهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، تتبنى مواقف توصف بالحيادية المتفهمة. فالهند تعمّق شراكاتها الاقتصادية مع المغرب دون الاصطفاف سياسيا، والبرازيل تدعم التسويات السلمية دون مواقف دبلوماسية حادة، أما جنوب إفريقيا، ورغم تعاطفها التاريخي مع الجزائر، لم تترجم هذا الموقف إلى تحرك مؤسساتي فعّال.

وأشارت الدراسة إلى أن هذا التوسع الأفقي في بناء الدعم، بعيدا عن المحاور الكبرى، يرسّخ واقعية المبادرة المغربية بوصفها مقاربة عقلانية تلقى القبول من أطراف متنوعة لا تندرج بالضرورة ضمن المعسكر الغربي. وفي هذا الإطار، يمكن للمغرب تعميق انخراطه في منتديات عدم الانحياز، وتعزيز موقعه في الديناميات الجديدة؛ مثل مجموعة "بريكس+"، لبناء شرعية ناعمة تستند إلى التعاون جنوب-جنوب.

وفي المقابل، ينبغي للمغرب أن يواكب هذا الانفتاح ببناء سردية جديدة تُخاطب الرأي العام في هذه الدول، وتستثمر القيم المشتركة، بدل الاتكال فقط على العلاقات الرسمية.

تحولات دولية وفرص استراتيجية

في الأفق القريب، يظهر سيناريو أول يفيد بأن تعمق الانقسام بين الشرق والغرب قد يدفع الصين وروسيا نحو توثيق العلاقات مع المغرب كخيار استراتيجي. أما السيناريو الثاني، فيفترض تراجع هذا الزخم في حال تغيّرت موازين التحالفات، خاصة إذا تعزز المحور الجزائري الروسي. من هنا، تصبح المنتديات الدولية؛ مثل قمة" BRICS"، ومنتدى التعاون الصيني-الإفريقي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، فرصا مفصلية لحضور مغربي استباقي قادر على تحويل التحولات الرمزية إلى مواقف مؤسساتية داعمة.

من التردد إلى التموقع الهادئ

لا تغير الصين وروسيا مواقفهما عبر بيانات صاخبة، بل عبر تراكم سلوكي يعكس منطق الدولة ومراعاة المصالح. وبين الحياد الرسمي والانخراط العملي، يرسخ البلدان موقفا ضمنيا مفاده أن الحل الوحيد المقبول للنزاع هو ذلك الذي يحفظ وحدة الدولة ويضمن التنمية والاستقرار.

في ظل كل ما سبق، على المغرب أن يواكب هذه الدينامية، لا فقط بتعميق الشراكات الاقتصادية، بل أيضا عبر ترسيخ الحضور الرمزي والدبلوماسي لمبادرته في الوعي الدولي. فالمعركة المقبلة لن تُحسم في مجلس الأمن فقط، بل على شاشات العالم، وفي تقارير المراكز البحثية، وفي شبكات التأثير العابر للحدود.

في عالم يعيد رسم خرائط النفوذ بعيدا عن المحاور الكلاسيكية، لا يبدو أن التوافق الدولي حول الصحراء المغربية سيتجلى في بيانات صريحة، بل في تحولات تدريجية، وتقاطعات مصالح، ومواقف رمادية تُترجم إلى دعم فعلي غير معلن. بين "الامتناع البنّاء" الروسي و"التحييد التعاوني" الصيني، تتشكل بيئة دبلوماسية جديدة تتيح للمغرب توسيع هوامش التحرك داخل المنتديات متعددة الأطراف، وتعزيز مبادرته بوصفها الحل الأكثر نجاعة لضمان السيادة والاستقرار.

ومع تعمق هذه الدينامية، يبرز دور الرباط ليس فقط كطرف في نزاع إقليمي، بل كفاعل قادر على التكيّف مع منطق القوى الصاعدة، وصياغة شرعية توافقية تتجاوز الاصطفاف التقليدي. إن ما يشهده الملف، اليوم، ليس مجرد فتور في دعم الأطراف المناوئة، بل بداية نشوء تحالف غير معلن، تُنسجه المصالح وتُثبّته الواقعية، في مشهد تتحول فيه الصحراء المغربية من قضية مؤجلة… إلى ورقة اعتراف استراتيجي.