دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إطلاق مشروع وطني شامل لترسيخ السلوك المدني في الفضاءات العمومية، معتبرا أن تعزيز قيم المواطنة واحترام الفضاء المشترك أصبح شرطا أساسيا لدعم التماسك الاجتماعي وتحسين جودة العيش وإنجاح الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030.
وصادق المجلس على رأي بعنوان "السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة"، خلص فيه إلى أن المغرب يتوفر على رصيد حضاري وقيمي مهم قائم على التضامن والاحترام المتبادل وخدمة الصالح العام، غير أن الفضاءات العمومية لا تزال تشهد مظاهر متعددة من السلوك غير المدني، من قبيل الإخلال بالنظافة العامة، وإتلاف الممتلكات والتجهيزات المشتركة، والسلوكات الخطيرة في الطرقات، فضلا عن بعض التجاوزات المسجلة أحيانا في الفضاءات الرياضية.
وأكد المجلس أن التدخلات العمومية الحالية، رغم تعددها، تظل في الغالب قطاعية وغير منسقة، ولا تنجح بالقدر الكافي في معالجة الأسباب البنيوية المؤثرة في السلوك المدني، والتي ترتبط بتحولات التنشئة الاجتماعية، وتعدد مصادر التأثير، خاصة الرقمية منها، فضلا عن عوامل اجتماعية ومجالية ومؤسساتية تتعلق بفعالية تطبيق القواعد المنظمة للفضاء العام وآليات تدبير القرب.
وأوضح التقرير أن السلوك المدني لا يقتصر على احترام القانون فقط، بل يشمل منظومة متكاملة من القيم والممارسات المرتبطة بالعيش المشترك، واحترام الغير، والمحافظة على الممتلكات الجماعية، وتحمل المسؤولية الفردية والجماعية. كما اعتبر أن الفضاءات العمومية، سواء تعلق الأمر بالشوارع والساحات والحدائق ووسائل النقل والإدارات والمؤسسات التعليمية أو المنشآت الرياضية، تمثل المجال الرئيسي الذي تتجسد فيه المواطنة بشكل يومي.
وسجل المجلس أن الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام تظل الفاعل الرئيسي في التنشئة المدنية، لكنه نبه إلى التحديات التي تواجه هذه المؤسسات في ظل التحولات الاجتماعية والرقمية المتسارعة. وفي هذا الإطار، دعا إلى تقوية دور المدرسة في التربية على المواطنة من خلال تحويل القيم من مضامين نظرية إلى ممارسات يومية داخل المؤسسات التعليمية، وتعزيز مشاركة التلاميذ في الحياة المدرسية، وتحسين تكوين الأطر التربوية في مجال التربية على القيم والسلوك المدني.
كما أبرز الرأي أهمية التهيئة الحضرية وجودة الخدمات العمومية في تشجيع السلوكيات الإيجابية، معتبرا أن نظافة الفضاءات وصيانة التجهيزات العمومية وتوفير الإنارة والتجهيزات الأساسية والخدمات الرقمية التفاعلية عوامل تسهم في تعزيز احترام المجال المشترك والشعور بالانتماء إليه.
وفي الشق المتعلق بالرياضة، شدد المجلس على أن الملاعب والتظاهرات الرياضية تشكل فضاءات مهمة للتنشئة الاجتماعية وترسيخ قيم المواطنة، مشيرا إلى أن ظاهرة "الألتراس" لا ينبغي اختزالها في بعض مظاهر الشغب المعزولة، بالنظر إلى مساهمتها أيضا في مبادرات التضامن والعمل الاجتماعي والتعبئة المدنية. ودعا إلى اعتماد مقاربة شمولية تجمع بين التأطير والوقاية والتحسيس والحوار مع المجموعات المنظمة للمشجعين.
ولترجمة هذه التوجهات إلى إجراءات عملية، أوصى المجلس بإطلاق ميثاق وطني للسلوك المدني يحدد قواعد التعامل داخل الفضاءات العمومية، ودراسة إشراك مؤسسة "المغرب 2030" في تنزيل هذا المشروع، مع تفعيل صارم للمقتضيات القانونية المرتبطة بالمخالفات الماسة بالنظام العام، وإرساء إطار موحد للعقوبات الإدارية يدمج بدائل تربوية وإصلاحية مثل الأشغال ذات المنفعة العامة والتكوينات التأهيلية.
كما دعا إلى إعداد مدونة وطنية للسلوك المدني داخل المرافق العمومية تحدد مسؤوليات الموظفين والمرتفقين ومعايير جودة الخدمات، وإدراج أنشطة تربوية واضحة حول المواطنة والسلوك المدني في مختلف مراحل التعليم، مع تعزيز الأنشطة الموازية باعتبارها فضاء عمليا لاكتساب القيم.
وخلص المجلس إلى أن نجاح المغرب في ترسيخ السلوك المدني رهين بتعبئة جماعية تشمل المواطنين والمؤسسات والجماعات الترابية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والقطاع الخاص، في إطار رؤية تقوم على "القدوة الحسنة" والالتزام بالمسؤولية المشتركة، بما يعيد الاعتبار للفضاء العمومي باعتباره ملكا مشتركا ومجالا للعيش المشترك والتنمية المستدامة، خاصة في أفق احتضان المملكة لكأس العالم 2030.