الملائكة لا تحلق فوق سماء الصحافة المغربية

أحمد مدياني
أحمد مدياني

"أنا شنو كنت كندير تماك...؟!"، سؤال طرحته على نفسي داخل "طاكسي كبير" ركبته من وسط مدينة الدار البيضاء، بعد انتظار دام قرابة ساعتين، متوجها نحو حي "الفردوس" بالألفة، حيث كنت أكتري شقة، تلتهم قرابة نصف راتبي.

بداية خريف عام 2014، إن لم تخنِ الذاكرة... نعم، أواخر شهر شتنبر، حين أعلن الاتحاد العام لمقاولات المغرب الذي كانت ترأسه خلال تلك الفترة مريم بن صالح شقرون، مقترح توفير 100 ألف منصب شغل سنويا، بشرط التزام الحكومة، التي كان يرأسها عبد الإله ابن كيران، بمنح "الباطرونا" إعفاءات على التحملات الضريبية تمتد لثلاث سنوات.

وقتئذ، كُلفت بتغطية لقاء لسيدات ورجال الأعمال حول التواصل بشأن هذا المقترح. كنت وسط أناس يتحدثون لغة الملايير، ومع ذلك ينتظرون من قلم يفترض فيه اقتراف المهنية، مقابل دراهم معدودات في مجال يوصف بأنه السلطة الرابعة، أن يقدم لهم خدمة التسويق لعرضهم.

سبق أن طرحت نفس السؤال الوجودي، عام 2012، حين أجريت مع رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان الحالية، أمينة بوعياش، أول حوار لها، على ما أعتقد، تتحدث فيه عن كواليس مساهمتها في صياغة مسودة دستور فاتح يوليوز 2011.

نزلت مشيا على قدمي من حي "التشارك" نحو الطريق السيار عند مدار "عين السبع/ سيدي مومن"... بحكم التجربة أيام تنقلات النضال الطلابي، كنت أعرف جيدا أنني سوف أضمن على الأقل الوصول إلى الرباط عبر حافلة واقفا مقابل 10 دراهم، ثم أتدبر باقي الرحلة في العاصمة.

وصلتها، ومرة أخرى صعدت من "القامرة"، نحو مقر المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مشيا، وأديت مهمة إنجاز الحوار، الذي يمكن وصفه بالحصري حينئذ، وعدت إلى حيث أقطن بهوامش العاصمة الاقتصادية، بنفس الطريقة وعبر نفس المسار.

هل انتهت عاصفة طرح "الأسئلة الصحفية الوجودية"؟

أكيد، لا!

لن أطيل. سوف أسرد عليكم واحدة أخرى فقط.

شتاء 2013، وكانت هذه أولى محطات عشق صحافة التحقيق بصيغتها الميدانية. كنت متعاونا مع مجلة "مغرب اليوم"، بفضل الزميل الذي تحول إلى صديق ثم أخ، مصطفى ابن الرضي، الذي كان يشغل مسؤولية مدير النشر.

اقترحت عليه إنجاز تحقيق ميداني عن المناجم السرية بضواحي مدينة ميدلت، حمل بعد إنجازه عنوان "أثرياء الغفلة".

كان كل من التقيت بهم ممن يعنيهم التحقيق أثرياء، كنت وحدي الفقير الذي سافر إلى حيث أنجز عملا استقصائيا مهنيا بكل معاييره... بدون توفير إقامة، بدون وسائل عمل، ولا مصاريف جيب، وبدون حتى أي مساعدة تذكر من المؤسسة التي كنت أتعاون معها، باستثناء أناس أعزاء من أبناء الإقليم، كبرو بيا وبت عندهم وقدموا ما استطاعوا إليه سبيلا من أوجه وسبل التعاون.

وحين حل موعد العودة إلى الدار البيضاء، في الساعات الأولى من الصباح، أغفلت أنني، بعد تفقد كل الجيوب ومحفظة الظهر، أحتاج إلى 30 درهما لإكمال ثمن تذكرة العودة.

كيف عالجت الأمر؟

تصرفت مثل أي عابر سبيل، ولأول مرة أبوح بهذا... قصدت من كانوا بالمحطة الطرقية مرددا عبارة "خوكم تقطع بيه الحبل"، لأنني لم أشأ الإكثار على من كنت في ضيافتهم طيلة أربعة أيام، بطلب آخر محرج جدا، 30 درهما لضمان مقعد على متن حافلة العودة من مكان جئت إليه لإنجاز تحقيق عمن يجنون الملايير من باطن الأرض في السر، حيث تحولت إلى متسول في العلن.

أتفهم إن وصلتم إلى هذه الأسطر من المقال، طرحكم سؤال:

لماذا يتقاسم معنا أحمد مدياني كل هذه التفاصيل الغابرة من بدايات تجربته في الصحافة؟

هل يود لعب دور البطل عن إكراهات البدايات؟

سوف يجيب سوادكم الأعظم: كل المهن لها بدايات قاسية، بل مؤلمة أكثر مما صدع به رؤوسنا هنا.

أجيبكم بكل قناعة: لا... أبدا.

مناسبة هذا البوح، مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.

ما تتم مناقشته بشأن تنظيم مهنة يرى فيها الكثير من محترفي الاغتناء منها، مجرد موقع لتضخيم الحسابات البنكية وليس تضخيم هامش الحرية والرأي والتعبير.

أضحك، ثم أضحك. لا أتوقف عن الضحك، وأنا أقرأ للبعض من الذين يزايدون على مشروع القانون، رغم الكثير من الملاحظات حوله، وهم كانوا إلى زمن قريب ضد الرفع من الحد الأدنى لأجور الصحافيين.

أحدهم، كان يأمر الإدارة بعدم منح الصحافيين التعويض عن مصاريف التنقل بين الرباط والدار البيضاء لأن المسافة قريبة، وهو يشرب قهوته على حساب المؤسسة، بل يغيّر حتى "بْنُو" سيارته الفاخرة على حسابها إن مسه مسمار بضرر.

كان يعتبر أن الصحافي الذي يشتغل في الموقع الإلكتروني لا يحتاج سوى 3000 أو 4000 درهم على الأكثر ليقوم بمهمة الصحفي وأكثر، حتى وإن كان على فراش النوم يجاور زوجته.

وأعرف جيدا، من أكل السُحت لسنوات من عرق جبين الصحافيات قبل الصحافيين، بكثير من الإغراء بأن المستقبل سيكون أفضل، بعد ثلاثة أشهر... لا بعد ستة... لن يكون كذلك...!

أعرف... وأعرف... عشت ذلك مباشرة وأحمل أيضا شهادات صادمة، مؤلمة، بعضها يجب أن يمتلك من تضررن وتضرروا منها شجاعة الصياح اليوم قبل الغد.

أنا صحافي، قبل أن أكون اليوم مدير النشر داخل مؤسسة اسمها Telquel ... منذ التحقت بها وأنا لست كما كنت من قبل...

أختلف منذ اخترت هذه المهنة المقدسة في أشياء كثيرة، مع من أتقاسم معهم مسار إعادة تنظيم المهنة، وتنزيلها.

اليوم من أتقاسم معه إدارة تنفس حرية ممارستها، نناقش... بل نتعارض لحدود الاختلافات التي قد تظهر للبعض دون خط العودة لنقطة التفاهم أو الاتفاق...

لأجل هذا الواقع الذي لا يرتفع، ما يجعل وجهات النظر تتقاطع، رغم تباعد تدقيق بعض التفاصيل، أنه هناك قناعة بتقوية المؤسسات الصحفية، وجعل المهنة تُؤطِر ولا تُؤطَر.

وقوتنا، أننا مقتنعون بما نطمح إليه...

استقلالية صحافيات وصحافيي المؤسسة تبدأ وتنتهي منها وإليها...

لأجل ذلك، أجد أننا في طليعة كل ما له علاقة بضمان شروط تحديد من هي المؤسسات وليس المقاولات الصحافية، وبعد ذلك ليتدافع المتدافعون في تنزيل حرية التعبير والصحافة والمهنية وفق ضوابط يحددها الضمير المهني أولا.

اليوم، نحن الصحافيات والصحافيين نفتقد الكثير من الجرأة للتدافع من أجل مهنتنا، ندفع بـ"باطرونا" القطاع، إن صح التعبير، إلى أن يكونوا "البارشوك"... ومنّا أيضا من هم وهن يملكون ثروات تغنيهم وتغنيهن عن مواصلة انتظار الراتب.

نبتسم بمكر عن بعد دون الانخراط الحقيقي في معركة النقاش في العلن، ونمارس أدوار البطولة الزائفة في السر، بل نذهب حدّ لعن ما ننتمي إليه.

لأجل كل ما سبق، وبكل تجرد شخصي ومهني، مهما كانت البدايات التي صمد أمامها البعض أو استسلم البعض الآخر بسبب إكراهاتها، ما يجب أن يحلق في سماء الصحافة المغربية هو استقلالية الصحافي المادية والاجتماعية أولا.

باقي المعارك التحريرية وخطوطها وما يترتب عنها، وجب تدبيرها، وفق اختيارات مهنية صرفة، تخرج المهنة من سطوة الماضي لأجل الحاضر والمستقبل.

الصحافة تعيش في أجواء الحرية. هذا مطلب مستمر، ويجب أن يُخاضَ باستمرار، حماية للصحافة، وللوطن من أن يغرق في الصمت القاتل.

لنحاول الإصلاح الآن. جميعا، بدون استثناء.

أنا مقتنعُ بمشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وخلفياته، تمام اقتناعي بحرية الصحافة، وموقنٌ أنه يضمن مدخلا سليما لإصلاح أعطاب متراكمة، وكثير ممن يعارضونه، اليوم، عن سبق إصرار وترصد برصيد بائد، لا يمكنهم أن يكونوا ملائكة تحلق فوق سماء الصحافة المغربية.