النقل الصحي.. لطفي: 54 بالمائة من ضحايا حوادث السير يفارقون الحياة قبل الوصول إلى المستشفى

خديجة قدوري

كشف تقرير صادر عن الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة أن المملكة المغربية تشهد ارتفاعاً مقلقاً في عدد الوفيات التي يمكن تفاديها، خاصة تلك الناتجة عن حوادث السير، حيث بلغت 2922 وفاة خلال الفترة من يناير إلى غشت 2025، مسجلةً زيادة حادة بنسبة 23.8% مقارنة بعام 2024.

وأشار التقرير ذاته إلى أن غياب نظام إسعاف طوارئ وطني موحد وفعال يُعد من الأسباب الجوهرية وراء هذه الوفيات. ويعود ذلك إلى الضعف البنيوي في الخدمات المتنقلة للمستعجلات والإنعاش الطبي، ما يؤدي إلى إهدار "الفرصة الذهبية" للإنقاذ بسبب التأخر في الوصول إلى المؤسسة الاستشفائية الأقرب.

غياب نظام إسعاف طوارئ وطني موحد

في هذا السياق، قال علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، في تصريح لـ"تيلكيل عربي" إن 54 بالمائة من ضحايا حوادث السير يفارقون الحياة في الطريق قبل الوصول إلى المستشفى، حيث تتولى الوقاية المدنية نقل المصابين، غير أن عددا منهم يتوفى فور وصوله إلى قسم المستعجلات، وهو ما يطرح إشكال جاهزية سيارات الإسعاف، التي يفترض أن تكون مجهزة بالمعدات الضرورية، وأن تضم طاقما طبيا مؤهلا، من طبيب أو ممرض مختص في التدخلات الاستعجالية السريعة.

وأشار لطفي إلى أن الإحصائيات الوطنية تشير إلى أن نسبة كبيرة من الوفيات تحدث أثناء النقل أو قبل الوصول إلى المستشفيات العمومية، ما يؤكد الحاجة الماسة إلى نظام إسعاف سريع ومؤهل (Pre-Hospital Care)، قادر على تقديم إسعافات أولية حيوية (كإيقاف النزيف والإنعاش القلبي الرئوي) في موقع الحادث. مشددا على أن استخدام سيارات إسعاف غير المجهزة بشكل كافٍ وغياب طاقم طبي متخصص بها، يؤدي بشكل مأساوي إلى وفاة عدد كبير من الضحايا أثناء عملية النقل.

توقف العمل بنظام SAMU

يعتبر نظام ( Service d'Aide Médicale Urgente) الإطار الرسمي للمساعدة الطبية المستعجلة في المغرب، وقد بدأ تطبيقه تدريجياً منذ عام 2005 وتم تعميمه بعد 2012 بهدف تغطية جميع الجهات عبر الرقم 141.

وكشف المتحدث ذاته أن هذه التجربة ظلت مقتصرة على بعض المدن الكبرى دون تحقيق الشمولية على الصعيد الوطني، مع معاناة واضحة من تفاوتات كبيرة في جودة الخدمات، ونقص في الموارد، وضعف التنسيق بين الفاعلين في السلسلة الإسعافية. ومما يثير القلق توقف العمل بنظام SAMU في المراكز الاستشفائية الجامعية بالرباط والدار البيضاء، وإغلاق بعض وحداته رغم الميزانية الضخمة التي خُصصت لهما.

وفي نفس السياق، أشار التقرير إلى أن أقسام المستعجلات بالمستشفيات الجامعية الرئيسية تعاني من اختلالات تنظيمية، واكتظاظ مزمن، ونقص حاد في الموارد البشرية المؤهلة والتجهيزات الطبية، والأدوية الضرورية لإنقاذ الحياة.

وأبرز أن أسطول الإسعاف (المقدر بحوالي 620 سيارة) يعاني من التقادم والأعطاب المتكررة التي تسهم في حالات وفاة أثناء النقل. ومما يزيد الأمر سوءاً، أن 90% من سيارات الإسعاف الحديثة (أكثر من 100 سيارة) التي تم اقتناؤها سنة 2015 بميزانية عالية (تتراوح تكلفتها بين 86 و93 مليون درهم) والمجهزة بأحدث التقنيات، ظلت غير مستغلة في الأقاليم والجهات. ويُعزى هذا الشلل إلى غلاء تكاليف الوقود والصيانة، وبالتالي، تظل المندوبيات الصحية تعمل بسيارات دون المعايير الدولية. هذا الوضع أدى إلى أزمة حادة في 2025، مع حوادث متكررة نتجت عنها إصابات ووفيات وسط المرضى والأطر الصحية.

وكان تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد كشف، في يونيو 2023، أن عدد الأطباء المتخصصين في طب المستعجلات (طب الطوارئ) لا يتجاوز الثلاثين طبيباً مختصاً، ويتم تدبير معظم أقسام المستعجلات من قبل أطباء عامين وأطباء في طور التكوين التخصصي (داخليين). كما أن الأطر التمريضية المتخصصة لا تتجاوز 4000 ممرض على المستوى الوطني، مع ضعف واضح في برامج التدريب المستمر.

اكتظاظ في المستعجلات وتفاوت مجالي

في هذا الإطار، قال علي لطفي إنه يوجد تفاوت مجالي كبير على مستوى التغطية الإسعافية، خاصة في المناطق القروية والنائية، مما يحرم ساكنيها من حقهم في الرعاية الصحية الطارئة.

وجاء في التقرير أن نقل المصابين في الطرق العمومية يقتصر على الوقاية المدنية بموجب منشور وزاري صادر عام 1956، وهو إطار قانوني متقادم يعيق تكامل الجهات الفاعلة في القطاع تحت مظلة نظام موحد.

وأشار المصدر ذاته إلى أن أقسام المستعجلات، بما فيها تلك التابعة للمراكز الاستشفائية الجامعية، تواجه اكتظاظاً لافتاً، ونقصاً في الأطباء والممرضين المؤهلين، بالإضافة إلى أعطاب في التجهيزات وشح في المستلزمات الدوائية.

وكشف التقرير أن المصابين يظلون في قاعة الانتظار لساعات قبل تلقي العلاج، بينما تعتمد معظم الدول ذات المنظومات الناجحة معايير زمنية صارمة لوصول الإسعاف (في حدود 5-10 دقائق للمناطق الحضرية). وهذا الفارق الزمني هو ما يحسم بين الحياة والموت. وتعتمد هذه الدول على "نظام الفرز الطبي" (Triage) الدقيق والموحد، الذي يحدد أولوية العلاج بشكل فوري ومنطقي، لضمان تقديم الرعاية للحالات الحرجة خلال دقائق معدودة (عادة أقل من 15 دقيقة)، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المغرب.