حمودان: "سفينة من ورق تسبح في الهواء".. كتابة حميمية تمزج التخييل بالإحساس (حوار)

خديجة قدوري

 يعود الكاتب المغربي الفرنسي محمد حمودان، اليوم، إلى القارئ عبر عمل جديد يحمل عنوانا لافتا ومشحونا بالصور: "سفينة من ورق تسبح في الهواء يليها زلزال". عنوان يفتح، منذ الوهلة الأولى، أفقا من التأويل، ويضعنا أمام كتابة تمزج بين الهشاشة والاضطراب، وبين الخيال والتوتر الدلالي.

 ينتمي حمودان إلى جيل من الكتاب المغاربة الذين اختاروا التعبير باللغة الفرنسية، وجمعوا بين الشعر والرواية والترجمة، في تجربة تمتد لأزيد من ثلاثة عقود. في لقاء أدبي، نعود إلى أسئلة الكتابة لديه، وإلى خلفيات هذا العمل الجديد، بين ما هو سردي وما هو شعوري، وبين ما تقوله اللغة وما تخفيه الصورة.

في هذا السياق، أجرى معه "تيلكيل عربي" حوارا  كشف من خلاله أن فعل الكتابة لديه لا ينفصل عن لحظة انفعال داخلي تتداخل فيها عدة عوامل، وليس سببا واحدا فقط، مشيرا إلى أن فكرة الكتاب تتبلور لديه حين يشعر بالحاجة إلى خوض تجربة كتابية مختلفة، أقرب إلى الذات، بعد مرحلة سابقة كانت مشدودة أكثر إلى التاريخ والسياسة.

ما الفكرة أو اللحظة الأولى التي انطلقت منها لكتابة هذا العمل؟ هل كانت صورة، شعورا، أم سؤالا معينا؟

كما هو الحال دائما مع كل كتاب، هناك عدة عوامل، وليس عاملا واحدا فقط. لكن يمكن القول إن فكرة الكتاب بدأت تتشكل في لحظة معينة، ربما لأنني شعرت بالحاجة إلى كتابة شيء آخر.

فقد سبق لي أن نشرت كتابا بعنوان "حالة طوارئ"، والذي رغم وجود بعض اللعب فيه، فإن الأسئلة التي يطرحها هي في الغالب ذات طابع تاريخي وسياسي، لأنه يشكل غوصا في التاريخ ما قبل الإسلامي. لذلك شعرت في تلك المرحلة بالحاجة إلى كتابة شيء أكثر حميمية وأكثر شخصية.

إلى أي حد كنت تفكر في القارئ أثناء الكتابة؟ هل كنت تكتب لتقوده، أم لتتركه يضيع داخل النص؟

في الواقع، عندما أكتب، لا أطرح هذا النوع من الأسئلة على نفسي. أي إن القارئ لا يكون حاضراً في ذهني، لأن الكاتب يكون منخرطا أصلا في حرارة فعل الكتابة. وكما هو الحال دائماً، حين ننهي كتابا ويتم نشره، يصبح الأمر بعد ذلك شأناً يخص القارئ. لكنني لا أفكر مسبقا في قارئ معين، أيا كان.

هل ترى أن هذا الكتاب يُقرأ كاعتراف شخصي، أم كعمل متخيل بالكامل منفصل عن الذات؟

هو عمل تخييلي، غير أن الكتابة التخييلية نفسها لا تخلو أحيانا من حضور بعض ملامح الذات. لذلك أعتبره عملا تخييليا، مع أن الكتابة، في نهاية المطاف، تظل دائماً مشدودة بشكل أو بآخر إلى الحياة، إلى تجربة الذات وما يرشح عنها.

ما الذي كان أصعب أثناء كتابة هذا العمل: بناء الحكاية، أم الحفاظ على الإيقاع الشعري للنص؟

أنا أشتغل دائما على النص في مراحل متعددة. هناك المسودة الأولى، ثم تأتي مرحلة إعادة الكتابة، حيث أركز تحديدا على الإيقاع، وعلى الانسجام، وعلى الموسيقى الداخلية للنص. وهذا هو التحدي الذي يرافقني في كل مرة أكتب فيها.

ولا أقدم النص إلى الناشر إلا عندما أشعر، بشكل شخصي، بأن هناك تناغما بين الصور، لأن النص عندي يحمل أيضا بعدا بصريا، وبين الصوت والموسيقى وباقي العناصر. وفي النهاية، يبقى المعنى هو العنصر الأهم.

ما الذي دفعكم لاختيار عنوان بهذه الصورة المجازية والمفعمة بالصور والتناقض؟

لأن العنوان في حد ذاته يشكل استعارة للكتاب نفسه. فالكتاب، في تصوري، هو أثر من الورق، شيء هش وقابل للكسر، وليس بنية صلبة.

ومن هنا جاءت صورة السفينة: فالكتاب هو هذه السفينة الورقية التي تحمل الكلمات، بل تحمل أيضا الراوي والشخصيات وكل ما يتشكل داخل النص، في رحلة تقوم أساسا على هذا الهشاش.

في هذا العمل، هل تسعون أساسا إلى سرد قصة أم إلى تقديم تجربة حسية للقارئ؟

يمكن القول إن الأمر يجمع بين الاثنين، لأننا لسنا أمام قصة بالمعنى التقليدي للكلمة، ولكن هناك مع ذلك ميكرو-حكايات تتشكل داخل النص، كأنها صناديق صغيرة، وهناك بالفعل خيط يُتبع أثناء القراءة.

فالنص ليس مجرد لغة فقط، بل هناك شيء يتجاوز اللغة نفسها، شيء حاضر داخل التجربة السردية يجعلها أقرب إلى الإحساس والمعايشة.