أجراه إلياس غاني
لا يحتاج المتصفح لمنصات التواصل الاجتماعي إلى كثير من التأمل أو الملاحظة ليدرك حجم القاموس الممتلئ بالسب والشتم ضد النساء والفتيات، وحملات تستهدف بالخصوص النساء النشيطات في الفضاء الافتراضي والمدافعات عن حقوق الإنسان والحريات الفردية.
هذا المشهد ليس مجرد انطباعات عابرة، بل تؤكده لغة الأرقام، إذ كشف البحث الوطني الثاني حول انتشار العنف ضد النساء (2019) الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، عن بروز "العنف الرقمي"، بنسبة انتشار بلغت 14 في المائة، مما يعني أن ما يقارب 1.5 مليون امرأة مغربية ضحايا للعنف الإلكتروني.
ومع هذا التحول، تبرز تساؤلات ملحة حول طبيعة هذا "الغزو" الرقمي المعادي للنساء، هل نحن أمام سلوكيات فردية معزولة ناتجة عن "سيبة" افتراضية؟ أم أننا نواجه "جائحة" بنيوية تعبر عن انكسارات عميقة في هوية المرتاد لمواقع التواصل الإجتماعي وصدمته أمام التحولات الجندرية؟
لخوض غمار هذه الإشكاليات، استضافت مجلة "تيلكيل" في هذا الحوار الدكتور عبد الصمد ديالمي، أحد أبرز علماء الاجتماع الذين امتلكوا الجرأة الأكاديمية لاقتحام "المناطق المحرمة" سوسيولوجيا.
كرس ديالمي مساره العلمي لدراسة قضايا الجنسانية، والنوع الاجتماعي، متبنيا منهجا نقديا يفكك البنى التقليدية، وتعد ثلاثيته الشهيرة عن الرجولة في المغرب، "نحو رجولة جديدة في المغرب" (2009)، و"نقد الرجولة في المغرب" (2010)، وصولا إلى أحدث إصداراته "من أجل رجولة غير عنيفة تجاه النساء" (2023)، مرجعا لفهم كيف يعاد إنتاج الهيمنة "الرجولية" (Masculinité) اجتماعيا وتاريخيا، بعيدا عن مجرد المعطى البيولوجي الصرف.
في هذا الحوار، يحلل ديالمي "جائحة العنف الرقمي" باعتبارها آلية "تأديبية" تهدف لإسكات الأصوات النسائية وإعادة النساء إلى "بيت الطاعة" البطريركي، واصفا هذا العنف بأنه أداة حمائية لـ"رجولة في خطر"، تشعر بتهديد جدي أمام مكاسب الحركات النسوية والنقاشات الراهنة حول إصلاح القوانين، وعلى رأسها مدونة الأسرة.
نص الحوار:
في السياق المغربي، كيف يمكن تفسير تصاعد الخطاب المعادي للنساء على منصات التواصل الاجتماعي؟ هل يتعلق الأمر بسلوكيات فردية أم يعكس تحولات أوسع في القيم الاجتماعية والثقافية أو في مكانة الرجل؟ وكيف تفسرون تأثير انتقال بعض المرجعيات الذكورية من الإطار التقليدي إلى نماذج مستوردة من الغرب؟
أولا، ينبغي تشخيص الخطاب الرقمي المعادي للنساء كشكل من أشكال العنف ضد الفتيات والنساء، إنه عنف لفظي رقمي في تصاعد نظرا للخصائص التي يمنحها الفضاء الرقمي، فهو عنف مباشر، سهل المنال، سريع الانتشار، من الصعب محوه، فضلا عن أن مقترفه يبقى مجهول الهوية، هذه الخاصية الأخيرة تمنح مرتكب العنف الرقمي شعورا بالأمان، لكونه يظل مجهولا، أي بعيدا عن خطر المتابعة القضائية والعقاب.
ثانيا، يدل ارتفاع العنف اللفظي الرقمي على تصاعد مقاومة الحركات البطريركية الرجولية المناهضة لتحديث العلاقات بين الرجال والنساء في اتجاه المساواة والتحرر والمناصفة، من ثم، يمكن القول إن ذلك التصاعد يعكس سلوكيات رجالية فردية ساخطة في تكاثر، من جهة، ويشير إلى مقاومة هيكلية ضد النسوية (féminisme)، التي تقدم باستمرار مطالب متعلقة بإصلاح "مدونة الأسرة" وبمكافحة العنف ضد النساء وبالمناصفة في مراكز المسؤولية وصنع القرار.
من ثمة، يشكل العنف الرقمي ضد الفتيات والنساء آلية حمائية وملجأ لرجولة مغربية في خطر فقدان سلطتها وامتيازاتها. إنه مؤشر على أزمة رجولة، وهو ما يؤدي إلى ميلاد نزعة رجولية (masculinisme) "جديدة" في المغرب، خصوصا في صفوف معظم الشبان المغاربة الذين يعانون من البطالة والتهميش ومن انفلات الفتيات والنساء من قبضة الرجال.
لا أعتقد أن هذه النزعة الرجولية الشبابية مستوردة من الغرب كمحاكاة للنزعة الرجولية الغربية. لماذا؟ أولا، لأنها ليست ردة فعل على حملة "أنا أيضا" التي أطلقتها الحركات النسوية الغربية للتشهير ولمحاكمة المتحرشين والمغتصبين، إذ لا وجود لحملة مماثلة في المغرب. ثانيا، لأن معظم الشبان والرجال المغاربة لم يقتنعوا بعد بالمساواة بين الجنسين وبتحرر المرأة والمناصفة. فهم ليسوا في حاجة إلى استيراد نزعة ما بعد حداثية غربية، وهم لا يزالون في مرحلة ما قبل حداثية تقوم على مرجعية إسلامية حرفية وظاهرة (بمعنى غالبة) ترفض المساواة وتحرر المرأة والمناصفة. خصوصية النزعة الرجولية المغربية "الجديدة" (بالمقارنة مع رجولية المجتمع والفقهاء والأحزاب السياسية المحافظة) تكمن في استعمالها منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن نفسها وللدفاع عن امتيازات وسلط الرجولة البطريركية.
لماذا يجب ترجمة مصطلح masculinité بالرجولة وليس بالذكورة؟
مفهوم "الذكورة" يحيل على الكروموسومات والهرمونات والأعضاء التناسلية والحيوانات المنوية، لذا فهو ليس إيجابيا ولا سلبيا، وليس متفوقا على الأنوثة ولا أدنى منها. إنه معطى بيولوجي حيواني صرف، مختلف عن الأنوثة، فلا معنى لنقده. في القرآن، الاختلاف بينهما هو فقط: "وليس الذكر كالأنثى...".
أما الرجولة، فهي الذكورة المبنية اجتماعيا كهيمنة كلية على النساء من طرف البطريركية، وهو ما يكرسه الإسلام من خلال مصطلحي الدرجة والقوامة: "الرجال قوامون على النساء... وللرجال عليهن درجة". في القرآن، يتحول الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى إلى تمييز تراتبي بين الرجل والمرأة لصالح الرجل. فلهذا الأخير امتيازات وسلط ناتجة عن القوامة والدرجة الأعلى. حيث يحافظ الرجل على أفضليته بفضل آليات شرعية منها حقه في عنف متعدد الأشكال والسياقات تجاه المرأة.
إذن، من خلال ترجمة la domination masculine إلى الهيمنة الذكورية وليس الهيمنة الرجولية، يرفض معظم الباحثين العرب نقد الرجولة وتفكيكها كسلطة وكامتيازات، وهم بذلك تحت وطأة نظام بطريركي يرونه نظاما طبيعيا ومقدسا. وبذلك، فهم يختزلون الرجولة في صفاتها الإيجابية كالفحولة وضبط النفس والقوامة على المرأة، وفي المقابل يرون في صفاتها السلبية، مثل الهيمنة والعنف والاستغلال شيئا طبيعيا، ويتجاهلون أن كل تلك الصفات الإيجابية والسلبية مبنية اجتماعيا وتاريخيا. اليوم، تسعى النزعة الرجولية (masculinisme) إلى الحفاظ على هيمنة الرجولة، مقاومة بذلك النزعة الصاعدة، أي النسوية الداعية إلى المساواة.
يمكن العودة في هذا الشأن إلى كتبي الثلاثة: Vers une nouvelle masculinité au Maroc (2009) - Critique de la masculinité au Maroc (2010) - (2023) Pour une masculinité non violente à l’égard des femmes.
تستهدف كثير من التعليقات جسد المرأة وشرفها، وقد ربطتم سابقا بين الإحباط الجنسي والتطرف، إلى أي حد يمكن قراءة هذا القاموس الشتائمي كآلية تفريغ نفسي أو اجتماعي؟ وهل تعكس هذه الظاهرة أبعادا ثقافية وسياسية تتجاوز مجرد التوتر الفردي؟ هل أصبح الجسد الأنثوي الرقمي ميدان معركة لتصريف صراعات سياسية واجتماعية؟
صحيح أن الإحباط الجنسي في صفوف الشبان يلعب دورا أساسيا في إنتاج العنف تجاه الفتيات والنساء في كل أشكاله، منها العنف الرقمي طبعا. صحيح أيضا أن العنفين المادي والرقمي يشكلان تفريغا نفسيا يعوض عن الحرمان الجنسي، كما بينت في كتابي "السكن، الجنس والإسلام" سنة 1995.
فالجسد الأنثوي يبدو سهل المنال نظرا للاختلاط واللباس المثير في المدن، لكنه جسد "سهل ممتنع" نظرا لعدم توفر الإمكانيات المادية واللوجستية. والواقع أن إحباط الشبان أعم ومتعدد الأشكال، ويتم التعبير عن الإحباط في أشكاله الجنسية والاقتصادية والسياسية من خلال العنف ضد الجسد الأنثوي باعتباره الحائط السهل والقصير، المجسد العيني للفساد العام في أعين شبان يعيشون تطرفا كامنا، أي على شفا حفرة من التطرف الفعلي.
العنف الرقمي كامتداد للعنف المادي هو تطبيق لأخلاق بطريركية إسلامية في حقلي المرأة والجنس والجندر، وعقاب، أو تعزير على الأقل (إذا استعملنا القاموس الفقهي)، لكل فتاة ولكل امرأة جانبت "الصواب" في نظر شبان ورجال لا يعرفون ولا يعترفون بالأخلاق المدنية القائلة بالحريات الفردية.
من هنا يتبين أن غياب أخلاق مدنية، بل نفي وجود أخلاق خارج الأخلاق الإسلامية البطريركية من طرف المجتمع المغربي عامة ومن طرف علماء الشريعة ومعظم الأحزاب السياسية، يخلق صداما اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بين البطريركيين والمدافعين عن حقوق المرأة (من منظور حقوق الإنسان).
وبالتالي، لا يبقى العنف الرقمي ضد الفتيات والنساء مجرد ظاهرة تعبر عن إحباطات فردية متعددة، جنسية وغير جنسية فقط، بل يصبح الجسد الأنثوي الرقمي حقل معركة متعددة الجوانب والأشكال بين قوى ما فوق-فردية. وهو ما أدى إلى صياغة قانون يحمي المرأة من العنف الرقمي، وإلى كل النقاشات والمقاومات التي سبقت صياغته، وفيما بعد حول نواقصه وكيفية تطبيقه ونجاعته.
مع التحولات الجندرية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، كيف تقرؤون الهجمات المتكررة على النساء المؤثرات والمتحررات في الفضاء الرقمي؟ هل يمكن اعتبارها صحوة محافظة منظمة، أم مجرد رد فعل مقاوم أمام تيارات التحديث الثقافي؟
بشكل عام، كل عنف رقمي تجاه الفتيات والنساء يهدف إلى إسكات اللواتي يخرقن أدوارهن البطريركية التقليدية. فالهدف هنا هو إعطاء درس تأديبي للفتيات والنساء وتقليص فضائهن المادي والرقمي من خلال التحرش الشتائمي. وتنطبق هذه الاستراتيجية القمعية على الفتيات والنساء المؤثرات والمتحررات بالخصوص، باعتبارهن رموز الزيغ النسوي (féminin) والمحرضات على التمرد النسوي (féministe). فالفتيات والنساء المؤثرات والمتحررات يشكلن بامتياز موضوع العنف الرقمي وهدف النزعة الرجولية المقاومة للمد النسوي.
أبعد من ذلك، يمكن القول إنهن موضوع كراهية اجتماعية تجد ترجمتها في الفضاء الرقمي. وبذلك، لا مجال للحديث عن صحوة محافظة، لأن البطريركية الإسلامية ظلت دوما موقفا مستيقظا ويقظا في المجتمع المغربي. وهو موقف صلب يقاوم اليوم التحديث الجندري والجنسي بشراسة أكبر من خلال الآليات الرقمية، دفاعا عن استمرار الشرط البطريركي الظالم للفتيات والنساء، لأجسادهن وجنسانيتهن بالخصوص.
هل يمكن اعتبار التعليقات والمراقبة الجماعية على المنصات الرقمية شكلا جديدا من الرقابة على جسد المرأة؟ وكيف يسهم هذا في إعادة إنتاج البنيات الأبوية التقليدية داخل فضاء يفترض أنه حر ومنفتح؟
طبعا، يعد العنف الرقمي شكل جديد من الرقابة على جسد المرأة، بل إرادة إيقاف تحرر ذلك الجسد باستغلال الفضاء الرقمي. فالنساء بشكل عام يجدن في الفضاء الرقمي متنفسا أسهل للتعبير وللتأثير مقارنة بالفضاء المادي الذي يتحكم فيه الرجال. لكن الفضاء الرقمي مجرد أداة تقنية صامتة يمكن استغلالها في سبيل الخير أو الشر، السلم أو الحرب، الحرية أو القمع، المساواة أو التمييز.
الفضاء الرقمي لا يفرض بذاته تجاها معينا، إنه يسمح لكل فرد ولكل مجموعة بالتعبير عن نفسها وعن مصالحها. إنه فضاء حرب رقمية قطرية وعالمية بين النسويات والبطريركيين، وبشكل أدق بين مجموعة النسويات والنسويين (وهم أقلية) من جهة، وبين مجموعة البطريركيين والبطريركيات من جهة أخرى. وتؤكد الدراسات أن المجموعة البطريركية تشكل الغالبية الساحقة في المغرب في الفضاء المادي. أما نسبتها في الفضاء الرقمي فموضع سؤال بالنظر إلى عدم وجود إحصاءات في هذا الشأن.
هكذا، نلاحظ أن الفضاء الرقمي، المفترض أن يكون فضاء للتربية والنمو وتمكين الفتيات والنساء، تحول إلى أداة عنف وسيطرة ذات تبعات هدامة في صفوف الفتيات والنساء. إنه الفضاء الذي يتم بفضله النيل من سمعة وكرامة الفتيات، ودفعهن إلى هجر الفضاء الرقمي بالمرة، وهو ما يعني إضاعتهن لفرص كثيرة للتمكين، ناهيك عن اضطراب صحتهن الجسدية والنفسية.
لكل هذه الاعتبارات، أصبح من الضروري أن تتحمل المقاولات التكنولوجية مسؤوليتها في الوقوف ضد المحتويات العنيفة وإدماج آليات حماية أكثر صلابة. إنها قضية مسؤولية رقمية ملقاة على عاتق المقاولات التكنولوجية. فإصدار قانون عقوبات لا يكفي وحده لصد العنف الرقمي الجندري، ذلك العنف الذي يعزز البنيات البطريركية في نهاية المطاف من خلال وقعه الكارثي على ضحاياه من فتيات ونساء.
وعلى الرجل، أيضا، أن يتحمل مسؤوليته الرقمية كرجل مغربي أسمى، لا يجعل من العنف (في كل أشكاله) ضد الفتيات والنساء المتحررات صفة من صفات الرجولة. إن الرجولة الحقة والحقيقية لا تكمن في العنف الجندري كما برهنت على ذلك في كتبي الثلاثة عن الرجولة في المغرب.