حوار.. بوحوت: السياحة انتقلت من مرحلة انتعاش سريع إلى مرحلة نمو أكثر اعتدالا

خديجة قدوري

سجل قطاع السياحة في المغرب خلال سنة 2025 أداء قياسيا، حيث بلغت العائدات بالعملة الصعبة حوالي 138 مليار درهم عند نهاية دجنبر، مسجلا ارتفاعا بنسبة 21 بالمائة مقارنة بعام 2024، وفق ما أفادت به وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

وأوضح المصدر ذاته، أن هذا المستوى الاستثنائي يكتسي أهمية بالغة لأنه تجاوز بكثير الهدف المحدد في 120 مليار درهم ضمن خارطة طريق السياحة في أفق عام 2026.

وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع الزوبير بوحوت، الخبير السياحي، الذي كشف أن السياحة المغربية انتقلت من مرحلة انتعاش سريع إلى مرحلة نمو أكثر اعتدالا. مشيرا إلى أن آفاق سنة 2026، تظل على العموم إيجابية في ظل استمرار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية التي تركز على التنافسية، وتحسين الربط الجوي، وتحديث العرض.

كيف يمكن تفسير تحقيق 138 مليار درهم من العائدات السياحية، هل هو أثر تعاف بعد الأزمة أم ارتقاء حقيقي في جودة العرض؟

تسجيل 138 مليار درهم من العائدات السياحية يعكس في المقام الأول دينامية تعاف قوية أعقبت الأزمة الصحية العالمية التي تسببت في انكماش غير مسبوق للقطاع ما بين 2020 و2021. فبعد رفع قيود التنقل واستعادة الثقة في السفر الدولي، شهد المغرب انتعاشا سريعا في أعداد الوافدين، حيث ارتفع العدد إلى حوالي 14.5 مليون سائح سنة 2023 (+34%)، ثم 17.4 مليون سنة 2024 (+20%)، ليصل إلى نحو 19.8 مليون سائح سنة 2025 (+14%)، بالتوازي مع نمو في العائدات بنسبة 21%. هذه الأرقام تبرز بوضوح أثر الطلب المؤجل الذي تراكم خلال الجائحة، وهو ما يعرف في الأدبيات السياحية بظاهرة "السفر الانتقامي".

غير أن تفسير هذا الأداء لا يقتصر على عامل التعويض فقط، بل يرتبط أيضا بتحسن صورة المغرب دوليا. فقد عزز الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم 2022 التي احتضنتها قطر من الحضور الإعلامي للمملكة، وأسهم في ترسيخ صورة إيجابية عن البلاد كوجهة آمنة ومنفتحة. هذا البعد الرمزي لعب دورا في دعم الجاذبية السياحية خلال السنوات اللاحقة.

إلى جانب ذلك، تعكس زيادة العائدات تحسنا تدريجيا في جودة العرض. فخارطة الطريق السياحية 2023-2026 تركز على الرفع من قيمة التجربة السياحية، وتنويع أنشطة الترفيه، وتحسين جودة الخدمات، بما يسمح برفع متوسط الإنفاق لكل سائح. وهذا التحول من منطق الكم إلى منطق القيمة يمثل مؤشرا على بداية ارتقاء نوعي في بنية العرض السياحي.

ومع ذلك، تبقى بعض الهشاشات قائمة، من بينها الاعتماد الكبير على الأسواق الأوروبية، وأهمية تدفقات المغاربة المقيمين بالخارج في تكوين الطلب، وهو ما يرسخ الطابع الموسمي. وعليه، فإن أداء 2025 هو نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل: تعاف بعد الأزمة، تعزيز الإشعاع الدولي، وبداية تحول نوعي في العرض السياحي.

هل يمكن أن تستمر هذه الدينامية في 2026 أم أن هناك خطر عودة النمو إلى مستوياته الطبيعية؟ وما المؤشرات التي ينبغي تتبعها؟

تظهر المعطيات المتوفرة أن السياحة المغربية انتقلت من مرحلة انتعاش سريع إلى مرحلة نمو أكثر اعتدالا. فبعد قفزة 34% سنة 2023، تراجعت وتيرة النمو إلى 20% سنة 2024، ثم إلى 14% سنة 2025. هذا التباطؤ النسبي لا يعني تراجعا، بل يشير إلى دخول القطاع مرحلة استقرار بعد فترة التعويض الاستثنائية.

أما آفاق سنة 2026 ، فهي على العموم إيجابية في ظل استمرار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية التي تركز على التنافسية، وتحسين الربط الجوي، وتحديث العرض. غير أن استمرار النمو بوتيرة مرتفعة يظل مرتبطا بالظرفية الدولية، خاصة في أوروبا التي تمثل السوق الرئيسية.

ولتقييم استدامة الدينامية، تبرز ثلاثة مؤشرات رئيسية: عدد الوافدين كمؤشر على الجاذبية العامة، متوسط الإنفاق لكل سائح كمقياس للارتقاء في الجودة، معدل الإقامة وتوزيع التدفقات على مدار السنة كمؤشر على تقليص الموسمية. كما أن تنويع الأسواق نحو أمريكا الشمالية والجنوبية ودول اسيا والشرق الأوسط وأفريقيا يمثل عنصرا حاسمًا لتعزيز مرونة القطاع وتقليل تعرضه للصدمات الخارجية.

ما هي أبرز نقاط القوة التنافسية للمغرب مقارنة بالوجهات المتوسطية؟

الميزة الأولى للمغرب تكمن في موقعه الجغرافي وقربه من أوروبا، ما يجعله وجهة ملائمة لسياحة الإقامات القصيرة. سهولة الربط الجوي وتعدد الرحلات يعززان تنافسيته مقارنة بوجهات بعيدة.

الميزة الثانية هي التنوع الاستثنائي للعرض السياحي. فالمغرب يجمع بين السياحة الثقافية، الشاطئية، الصحراوية، الجبلية والرياضية بالإضافة إلى سياحة المؤتمرات والتظاهرات الكبرى، ما يمنحه قدرة على استهداف شرائح متعددة من السياح. هذا التنوع يقلل من مخاطر الاعتماد على منتج سياحي واحد.

الميزة الثالثة تتمثل في الغنى الحضاري والثقافي، مدعوما بالجودة والأسعار التنافسية. كما أن التراث المعماري، وفنون الطبخ، والصناعة التقليدية، والتقاليد الاجتماعية تشكل عناصر جذب قوية مقارنة بعدد من الوجهات المتوسطية.

كما أن الإشعاع الدولي الذي تحقق بعد مونديال 2022 عزز الصورة الذهنية للمغرب عالميا، ما دعم تموقعه كوجهة آمنة ومستقرة. إضافة إلى ذلك، يمثل استقرار المؤسسات والانخراط في مشاريع دولية كبرى عامل ثقة مهم في قرار السفر.

هل البنيات التحتية قادرة على استيعاب النمو المتواصل؟

شهدت البنيات السياحية المغربية توسعا مهما خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الطاقة الإيوائية أو تطوير المحطات السياحية. وتضع الاستراتيجية الوطنية مسألة الرفع من جودة الخدمات والتنشيط في صلب أولوياتها.

غير أن النشاط لا يزال متمركزا في مدن رئيسية مثل مراكش وأكادير، ما يخلق ضغطا خلال فترات الذروة. وبهذا فإن توزيع التدفقات نحو وجهات أخرى يظل ضروريا لتفادي الاكتظاظ وضمان عدالة مجالية في الاستفادة من عائدات القطاع.

كما يشكل الربط الجوي الداخلي عنصرا أساسيا لتحسين توزيع السياح، إلى جانب تحديث المطارات والبنيات الطرقية. ولا يقل عنصر التكوين أهمية، إذ إن جودة الموارد البشرية تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على تجربة سياحية إيجابية.

علاوة على ذلك، يفرض التحدي البيئي نفسه بقوة، خاصة فيما يتعلق بتدبير الموارد المائية والطاقة في ظل التغيرات المناخية. وبالتالي، فإن استدامة النمو تتطلب استثمارات متوازنة تجمع بين التوسعة الكمية، الجودة، والاستدامة البيئية.

كيف يمكن تقوية العائدات المحلية للسياحة؟

تقوية الأثر المحلي للسياحة يمر عبر تعزيز اندماج القطاع في الاقتصاد الجهوي. فإطلاق المشاريع المهيكلة المبرمجة يمثل خطوة أساسية لرفع مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق.

في مراكش، يمكن لمشاريع كبرى في مجال الترفيه وسياحة الأعمال أن ترفع القيمة المضافة بشكل ملحوظ. كما أن إعادة تأهيل محطة أوكايمدن، وتطوير السياحة البيئية في المنتزه الوطني لإفران، وتنشيط وجهات مثل السعيدية وبوزنيقة، يمكن أن يعزز التوزيع المجالي للنشاط السياحي.

كما أن تقوية الروابط بين السياحة والقطاعات المحلية مثل الصناعة التقليدية والمنتجات الفلاحية والخدمات الثقافية يرفع نسبة القيمة التي تبقى داخل الجهة. دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة يسهم في خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة.

إضافة إلى ذلك، يمثل الاستثمار في الرأسمال البشري عنصرا حاسما لرفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات. كما أن تقليص الموسمية عبر تنظيم تظاهرات ثقافية ورياضية ومهنية على مدار السنة يضمن استقرار التشغيل ويحسن مردودية الاستثمارات.

بناء عليه، فإن تحقيق أثر اقتصادي مستدام يتطلب مزيجا من الاستثمار المهيكل، والتوزيع الجغرافي المتوازن، والاندماج المحلي، والارتقاء المستمر بجودة العرض والخدمات.