بين دهاليز العدالة الفرنسية وتعقيدات العلاقات الدبلوماسية، تجد وزيرة الثقافة الفرنسية من أصول مغربية، رشيدة داتي، نفسها في قلب فضيحة قانونية تتعلق باتهامات بالفساد و"تأثير غير مشروع" ضمن ما يعرف بملف "غصن-داتي". القضاء الفرنسي قرر، في يوليوز الماضي، إحالة الوزيرة الحالية ورئيسة بلدية الدائرة السابعة بباريس أمام المحكمة الجنائية، إلى جانب الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة "رينو-نيسان"، كارلوس غصن، على خلفية شبهات بتلقي أموال مقابل خدمات قانونية لم تثبت فعليًا.
لكن المثير للانتباه في هذه القضية، أن خيوطها لا تتوقف عند باريس وطوكيو، بل تمتد إلى الرباط، عبر سلسلة من الأسماء المغربية والدبلوماسية المرتبطة بتبريرات حاول دفاع داتي استخدامها لإثبات شرعية أتعابها البالغة 900 ألف يورو تلقّتها من فرع هولندي تابع لتحالف "رينو-نيسان" بين عامي 2009 و2013.
محاولة "مغربة" الدفاع أمام القضاء الفرنسي
وفق تقرير لصحيفة "لوموند"، فإن أبرز محاولات فريق الدفاع عن رشيدة داتي لإضفاء الشرعية على العلاقة المهنية مع كارلوس غصن، تقديم وثائق وشهادات مصدرها دبلوماسيون مغاربة ومسؤولون من أصل مغربي، بهدف الإيحاء بأن ما قدمته داتي من "استشارات" و"وساطات" كان ذا طابع دولي ومرتبط بمهام دبلوماسية ذات قيمة فعلية.
لكن القضاة الفرنسيين كانوا أكثر صرامة. ففي قرار الإحالة إلى المحكمة الجنائية، أشاروا إلى أن "التحقيقات لم تُثبت وجود أدلة كافية على أن داتي قامت فعليا بخدمات تبرر المبالغ الضخمة التي تلقتها"، معتبرين أن الوثائق الصادرة عن مسؤولين مغاربة "غير ذات قيمة إثباتية".
بل إن بعض الشهادات، التي قدمت لاحقا خلال مسار التحقيق، وُصفت من طرف القضاة بأنها "تم إعدادها بعد فتح التحقيق القضائي، بهدف التأثير على مجرى العدالة"، وتمت الإشارة تحديدا إلى سفير سابق للمغرب، وآخرين قيل إنهم "على صلة بالسفارة الإيرانية"، وهو ما زاد الشكوك حول نزاهة بعض الوثائق المضافة لاحقا إلى الملف.
واحدة من النقاط التي ركز عليها القضاة الفرنسيون في قرارهم هي ما اعتبروه "محاولة دفاع داتي استخدام أسماء وشخصيات مغربية لتضليل العدالة". على سبيل المثال، تشير الصحيفة إلى أن إحدى الشهادات أعدت من قبل شخص على علاقة بالسفارة المغربية في باريس، وادعى أن داتي لعبت دورا في ترتيب لقاءات أو وساطات على مستوى عال بين شركات فرنسية ومسؤولين مغاربة.
لكن القضاة رأوا أن هذه التحركات، حتى لو وقعت، لا تثبت وجود علاقة تعاقدية مباشرة أو مهام قانونية واضحة بين داتي وغصن، معتبرين أن ما سُجِّل هو أقرب إلى علاقات شخصية أو وساطات غير رسمية لا تبرر تحويل مئات الآلاف من اليوروهات من حسابات الشركات إلى حسابها الشخصي.
وبدأت المتاعب بالنسبة إلى داتي في 21 يوليوز 2021، حين تم توجيه الاتهام إليها بعد أن كانت في البداية فقط "شاهدة مساعدة" في الشق الباريسي من قضية كارلوس غصن. الاتهامات الموجهة إليها ثقيلة: "فساد واستغلال نفوذ سلبي من قبل شخص منتخب". المحور الرئيسي هو مبلغ 900 ألف يورو تلقته داتي من شركة RNBV، وهي فرع هولندي لشركة رينو-نيسان، بين عامي 2010 و2012، بمعدل 300 ألف يورو سنويا.
في تلك الفترة، كانت داتي قد غادرت الحكومة الفرنسية وانتخبت نائبة في البرلمان الأوروبي. كما أصبحت محامية بعد أدائها القسم في فبراير 2010. وتؤكد أنها قدّمت خدمات قانونية لشركة رينو، خاصة في مشروع بناء مصنعها الضخم في طنجة.
خلال جلسة استجواب في يوليوز 2021، حاولت داتي إقناع القضاة بأنها ساعدت رينو-نيسان على التوسع في المغرب والشرق الأوسط، بعيدا عن بروكسل وستراسبورغ. وقد زعمت أنها ساهمت في إنقاذ مشروع مصنع طنجة من التجميد في ظل الأزمة المالية والربيع العربي، من خلال ترتيب تمويل من "صندوق الإيداع والتدبير" عبر اتصالاتها مع السفير المغربي مصطفى الساهل والوالي محمد ظريف.
لكن شهودا متعددين، من بينهم مسؤولون قانونيون سابقون في رينو ومفاوضون مغاربة، نفوا تدخلها. وأكدوا أن الاتفاقيات المتعلقة بالمصنع وُقّعت في 2007 و2008، وتم تأمين التمويل في يوليو 2009، أي قبل أن تبدأ داتي عملها كمحامية في رينو-نيسان.