في عالم كرة القدم الحديثة، لم يعد الفوز يصنع بالأقدام أو بالخطط التكتيكية فوق العشب الأخضر فحسب، وإنما غدت المباراة الذهنية التي تدور في كواليس عقول اللاعبين والمدربين هي الفيصل الحقيقي بين التتويج والانهيار.
ومع تصاعد الضغوط الجماهيرية والإعلامية تبرز الحاجة الملحة لفهم كيمياء الانسجام الجماعي، وكيفية حماية الذات الاحترافية من الاحتراق النفسي، إذ يشكل المتغير النفسي في المنظومة الرياضية المعاصرة واحدا من أعقد المحددات السلوكية التي تؤثر بشكل مباشر على منحنى الأداء الفردي والجماعي.
ولتعميق الفهم حول هذا النسق تستضيف "TELSPORT عربي" في هذا الحوار، الأستاذ عادل الحسني، أخصائي إعادة الإدماج الاجتماعي، ورئيس جمعية العاملين الاجتماعيين بجهة سوس ماسة.
وبناء على خلفيته الأكاديمية والمهنية في مجال العمل الاجتماعي وعلم النفس الاجتماعي، يقدم لنا عادل الحسني قراءة تحليلية تتجاوز المقاربات السطحية لـ"التحفيز"، لتغوص في سيكولوجية الذات الاحترافية، وبنية الانسجام الجماعي، والمظاهر النفس - جسدية (Psychosomatic) للأداء الرياضي.
ويتناول الحوار تحليل المرتكزات العلمية التي ترصد مستويات القلق والاكتئاب، مع استعراض النماذج السببية التي تربط بين التماسك (Cohesion) والنتائج الميدانية، وصولا إلى تطبيقات عملية من كبريات المدارس الكروية العالمية التي استثمرت في المختبرات الذهنية لتطوير استدامة الأداء.
نص الحوار:
تتصاعد الملاحظات حول دور العامل النفسي في فرق كرة القدم فرديا وجماعيا، إذ يسهم هذا الدور في تقدم النتائج أو تراجعها، فقد تنهار بعض الفرق وتزدهر أخرى، ويصعد نجم لاعب ويخفت آخر بسبب هذا العامل، فهل هناك مؤشرات علمية وإحصائيات تتابع هذا البعد في أداء الفرق الكروية واللاعبين في كرة القدم؟
نعم بالتأكيد، يحضر تأثير هذا الدور في الكثير من الدراسات سواء في الأداء الجماعي أو الفردي، وأبرز رصد في هذا الموضوع أجري مؤخرا في استطلاع لاتحاد اللاعبين المهنيين (PFA) الذي أظهر أن 68 في المائة من اللاعبين تأثرت صحتهم النفسية بسبب مخاوف الإصابات و47 في المائة بسبب الأداء على الملعب.
فضلا عن دراسات طولية أخرى أفادت بأن 12.7 في المائة من اللاعبين يعانون من أعراض اكتئاب و15.6 في المائة من القلق، مما يؤثر سلبا على الأداء. بدون دعم، سيؤدي إهمال البعد النفسي إلى انخفاض الأداء بنسبة تصل إلى 65 في المائة حسب آراء اللاعبين أنفسهم.
وعلى المستوى النفسي الجسدي، هناك دراسة نشرتها British Journal of Sports Medicine أكدت أن الإصابات البدنية تزداد بنسبة 20 في المائة لدى اللاعبين الذين يمرون بضغوط نفسية حادة (Stress-Injury Model)؛ لأن التوتر يقلل من التركيز المحيطي ويزيد من تشنج العضلات.
وفي البعد الجماعي للفريق، فإن أهم دراسة نشرت في الموضوع كانت بعنوان Cohesion and performance in soccer: A causal model بمجلة Sport Sciences for Health عام 2016.
اشتغلت هذه الدراسة على ملاحظة النموذج السببي للعلاقة بين الانسجام الجماعي (cohesion) والأداء، مع التركيز على التأثير المتبادل والديناميكي خلال موسم كامل.
وكانت نتيجة الملاحظات أن الانسجام عملية ديناميكية تتأثر بإدراك اللاعبين لأدائهم الفردي والجماعي، مما يدعم فرضية الدراسة التي ركزت على ربط الأداء بالانسجام النفسي الجماعي.
فإدراك أعلى للأداء يرتبط بانسجام أكبر في المهام والتركيز داخل ما يسمى روح المجموعة، كما يخف التأثير السلبي النفسي لدى اللاعبين الأكبر سنا والأكثر خبرة، وهذا ما يفسر إصرار عدد من المدربين الأوروبيين على الاحتفاظ بنسبة أكبر من اللاعبين المخضرمين رغم النتائج السلبية، لذلك فإن أهم تحد لدى المدربين هو الموازنة بين الانسجام النفسي لدى المخضرمين والطاقة العالية لدى الشباب، وبما أن الانسجام مرتبط بقوة بالأداء، أصبح لزاما على المدربين مراقبته وتعزيزه لتحسين النتائج.
من هذه المعطيات، ومن التصريحات الكثيفة للاعبين والمدربين وحاجتهم للدعم من الجمهور والإعلام، يتصاعد دور العامل النفسي، لكن ما هي العناصر التقنية التي يجب أن تشتغل عليها المنتخبات والأندية لمواجهة ضغط الجماهير والإعلام والظروف والنتائج؟
هناك مستويان في العمل مع الفرد اللاعب أو المدرب، مستويات التحليل والدعم، وهما يقومان على الاستماع الكافي للفرد من أجل تحديد التحليل المناسب لنقاط الخلل والحساسيات النفسية، والاشتغال عليها مع الفرد، وهي عادة ما تتحدد في 4 نقاط أساسية:
الإحساس الداخلي بالموقع النفسي الاجتماعي: للاعب أو المدرب داخل الاتجاهات والمواقف المحيطة به، وفي هذه النقطة يتم الاشتغال على سؤال: من أي موقع نفسي اجتماعي يركز اللاعب أو المدرب؟ هل هو مفرط في الإحساس بالتميز أم أنه مفرط في الاختفاء والعزلة والجمود في ظروف الضغط؟ هل يعي مدى كونه مهما لدى الجماهير والإدارة أم أن إدراكه متضخم أو متحير؟ هل المدرب، مثلا، يتكلم من موقع الأب الضامن أم من موقع الخبير التقني؟ هل هو متوازن في خطابه مع الجمهور أم منزلق للمواجهة أو الاستجابة المفرطة؟
علاقة اللاعب أو المدرب بالضغط: من أين تأتي؟ تحليل الضغط هنا يحلل كبنية داخلية، ويطرح السؤال الأساسي، ما مدى الحضور الذهني كفاعل مستمتع وصافي الذهن في مقابل حضوره كمتوجس من النتيجة؟ كيف يحس بضغط الرقابة الداخلية؟ ليس ضغط المباراة أو انتظارها أو التوجس من ردود الفعل الإعلامية وحسب، ولكن الأهم هو تحليل ضغط النظرة الداخلية لكل هؤلاء.
وتركز هذه النقطة على تحليل مدى فصل الأداء عن ضغط الإرضاء، وكشف مدى قدرة اللاعب على فعل اللعب، وليس تمثيل صورة اللاعب التي تراكمها السجالات الإعلامية.
البعد النفسي الجسدي: من حيث كونه يتحول تحت الضغط إلى مسرح للصراع الداخلي، جسد اللاعب ليس محايدا، وهو تحت الضغط يستثمر ويستنزف ويطلب منه أن ينضبط ويؤدي في الوقت نفسه ويهمل جانب المتعة التي هي وقود الإبداع الرياضي.
في هذه النقطة يتم تحليل الإصابات المتكررة كلغة للجسد، مثل التشنجات وفقدان التركيز والانهيارات المفاجئة وهي اللحظات التي يخون فيها الجسد صاحبه، وهذا التحليل يكشف مدى خضوع الجسد كآلة من أجل إعادته إلى موقع الذات الحية، ويخفف من فائض الجهد المرتبط بالأداء القهري الذي يحاول أن يستجيب للمطالب مع حضور ذهني كاف.
النجاح والفشل: ماذا يفعلان بالذات؟ التحليل النفسي في هذا السياق شديد الحساسية تجاه النجاح أكثر من الفشل، فالنجاح قد يخلق فراغا، والفوز قد يسقط المعنى، واللقب قد يجعل مؤشر الرغبة منهارا، ومن خلال هذه النقطة يتم العمل على سؤال النفسية الاحترافية التي يجب حمايتها من الاحتراق النفسي من جهة، ومن أوهام الاكتمال بعد الموسم الجيد من جهة أخرى، وحماية الرغبة من التلاشي، لجعل اللعب ممكنا بعد الإنجاز، لا قبله فقط.
يبدو هذا العمل مع الأفراد، ماذا عن العمل الجماعي ودعم الانسجام الجماعي لفريق كرة القدم؟
هناك نفسية فردية وأخرى مميزة عنها تماما لكن تؤطرها، وهي النفسية الجماعية، يبدأ العمل الجماعي في جلسات الدعم الجماعية أو "السيكودراما" لتحليل العلاقات بالسلطة داخل الفريق (سلطة الإدارة، وسلطة الجمهور، وكلها أشكال للسلطة)، تنطلق من سؤال، هل اللاعبون خاضعون أم متمردون أم متماهون أم مقابل كل ذلك محترفون متوازنون؟ وهل المدرب في علاقته بالفريق يستمد سلطته من العقد أم من الخوف أم من الحب؟ نشتغل في هذا مستوى على إعادة تمثيل مواقف صعبة، لفك الالتباس بين السلطة الجماعية أو الانسجام، وتحرير اللاعب من الطاعة العمياء دون التيه في العصيان المدمر، ومساعدة المدرب على ممارسة السلطة دون أن تلتهم احترافية علاقته بلاعبيه.
كيف ينظر علم النفس الرياضي إلى مشكلة غياب الانسجام؟
ينظر بعين النقد لما يسمى "روح الفريق"، فالفريق ليس عائلة وليس جسدا واحدا كما نحب له أن يكون، إنه مجموعة ذوات بخصوصيات مختلفة يجمعها هدف مؤقت، هذا هو الواقع الذي سينتج صدمات في النتائج إذا تم تجاهله بسبب نشوة النتائج الإيجابية، فالعمل الجماعي هنا يسمح بالاختلاف بدل دفنه، ويخفف التوتر الناتج عن الادعاء بأن الجميع واحد.
والنتيجة والتماسك الممكن في هذا سياق هو تماسك واقعي، بمعنى أن العمل يركز هنا في جلسات النقاش الجماعية على محتوى نفسي جماعي خالص، وهو الحديث بمرح وبصراحة عن الطموح الفردي ومدى إمكانية تحققه في الإطار الجماعي، هذا العمل يساعد على تجنب الوحدة الخيالية القابلة للانفجار كصراعات، أو جمود غير مفهوم داخل رقعة الملعب، هذا التوازن بين الفردي والجماعي في النفسية الجماعية هو ما يتم الاشتغال عليه لتحقيق أقصى ما يمكن من التركيز العالي.
إذن، أصبح الاستعداد النفسي والذهني اليوم لاعبا أساسيا قبل المباريات، ولم يعد الأمر مجرد "تحفيز" قبل المباراة، ولكن ما هي تطبيقات هذه التوصيات في الواقع؟
نعم، من أبرز الأمثلة في تخصيص برامج للدعم النفسي والإعداد الذهني ما نُشر عن فريق ميلان (AC Milan) ومشروع "غرفة العقل".
يعتبر ميلان الرائد الأول عالميا في هذا المجال؛ ففي ذروة مجد الفريق (حقبة الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية)، لم يكن السر في التدريب البدني فقط بل في "غرفة العقل" (Mind Room) حيث أسس الدكتور برونو ديميكليس (Bruno Demichelis) مختبرا نفسيا داخل مقر التدريب "ميلانيلو"، واستخدم تقنيات الارتجاع البيولوجي (Biofeedback) وقياس موجات الدماغ، وجلسات لتقليل التوتر الذهني وتسريع التعافي، وساهم هذا الجهد الممنهج في الإطالة المذهلة لأعمار اللاعبين في الملاعب (مثل باولو مالديني وكوستاكورتا اللذين لعبا حتى سن الأربعين بمستويات عالية وحقق الفريق دوري أبطال أوروبا عدة مرات).
وعندما نافس ليفربول بقوة على الدوري في موسم 2013/2014، استعان المدرب بريندان رودجرز بالطبيب النفسي الشهير الدكتور ستيف بيترز (Steve Peters)، الذي اعتمد على نموذجه الشهير "مفارقة الشمبانزي" (The Chimp Paradox).
الفكرة الجوهرية كانت تعليم اللاعبين (مثل ستيفن جيرارد ورحيم ستيرلينغ) أن داخل عقولهم جزءا بدائيا عاطفيا يسمى الشمبانزي وجزءا عقلانيا، وكان التدريب يركز على كيفية ترويض الشمبانزي لعدم اتخاذ قرارات متهورة تحت الضغط أو الخوف من الفشل، والنتيجة تحققت بتحسن هائل في النتائج والصلابة الذهنية في ذلك الموسم واعتبر جيرارد أن هذا الدعم كان حاسما في أدائه.
وعلى مستوى المنتخبات، تذكر جيدا منتخب ألمانيا (2014) وهو أول منتخب وطني يعين طبيبا نفسيا دائما، وهو الدكتور هانز ديتر هيرمان، في كأس العالم 2014، كان التحدي هو الضغط الهائل للعودة بالألقاب، فقام هيرمان بتصميم بيئة المعسكر (Campo Bahia) لتعزيز الروح الجماعية وتقليل التوتر الفردي والعمل على المرونة الذهنية للتعامل مع اللحظات الصعبة في المباريات، والنتيجة نعرفها وهي الفوز بكأس العالم 2014، حيث تميز الفريق بهدوء أعصاب لا يصدق (خاصة في مباراة 1-7 ضد البرازيل ومباراة النهائي ضد الأرجنتين).
ومن المهم تذكر تجربة منتخب إنجلترا (2018) وكسر عقدة ضربات الجزاء، فتاريخيا كان منتخب إنجلترا ينهار نفسيا عند الوصول لضربات الجزاء، ولكن ذلك تغير مع المدرب غاريث ساوثغيت بعد استعانته بالطبيبة النفسية الدكتورة بيبا غرينج (Pippa Grange).
ركزت غرينج عملها على مفهوم "الخوف أقل" (Fear Less)، وعملت مع اللاعبين على تحويل الخوف من الفشل والعار الإعلامي إلى علاقات إنسانية قوية بينهم ومواجهة الصدمة التاريخية لضربات الجزاء بشكل علمي وليس عاطفيا، والنتيجة أنه في مونديال 2018، فازت إنجلترا بركلات الترجيح لأول مرة في تاريخها بكأس العالم (ضد كولومبيا) ووصلت لنصف النهائي.
تنويه للقراء: هذا الحوار منشور في العدد 41 من مجلة "TEL SPORT"