"لا تزرع العطش".. تقرير جديد يسلط الضوء على إخفاقات المخطط الأخضر

بشرى الردادي

في بلد تتناقص فيه الموارد المائية بمعدلات مقلقة، وتتقلص المساحات الصالحة للعيش بسبب الجفاف، لم يعد النقاش حول السياسات الزراعية ترفا أكاديميا أو تقنية حكومية، بل أصبح سؤالا وجوديا يتعلق بمستقبل الحياة نفسها. وبينما تعيش قرى بأكملها حالة "الظمأ المؤسسي"، وتتلاشى وعود التنمية خلف جدران التفاوت المجالي والبيئي، يعود إلى الواجهة سؤال ظلّ مؤجلا لأكثر من عقد ونصف: هل كان مخطط المغرب الأخضر، الذي أُطلق عام 2008 باعتباره رافعة للنمو الفلاحي، يسير فعلا في الاتجاه الصحيح؟ وهل يمكن لنموذج إنتاجي يستنزف المورد الأندر في البلاد أن يُشكّل أساسا للتنمية المستدامة؟ تقرير حديث صادر عن المعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي (IMIS) يحمل إجابة صادمة: المخطط، رغم ما حققه من مؤشرات اقتصادية، ساهم في بناء نموذج زراعي غير عادل، وهش، ومُفقر بيئيا، وهو نموذج لا يمكن الدفاع عنه في ظل تصاعد التغيرات المناخية، وتفاقم اختلالات العدالة المجالية والاجتماعية.

نموذج توسعي على حساب التوازن الهيدرولوجي

تُعيد الوثيقة قراءة المخطط الأخضر بوصفه تحوّلا جذريا في فلسفة التخطيط الفلاحي؛ إذ نُقلت الفلاحة من منطق الكفاف والصمود إلى منطق السوق والتصدير. وبدل أن يُبنى هذا التحول على تشخيص دقيق لمحدودية الموارد، تمّ الدفع نحو توسيع الزراعات ذات المردودية النقدية العالية؛ كالبطيخ الأحمر، والأفوكادو، والطماطم، والفراولة، دون اعتبار لبصمتها المائية أو لموقعها داخل أحواض تعاني أصلا من الإجهاد.

أكثر المناطق تضررا كانت سوس، ودرعة، وزاكورة، والجنوب الشرقي؛ حيث تسارعت عمليات الضخ من الفرشات العميقة بلا قيد أو سقف؛ ما أدى إلى انهيار التوازن المائي في ظرف وجيز. وتشير الوثيقة إلى أن بعض الأحواض؛ كدرعة وزيز، سجّلت عجزا مائيا سنويا يفوق 100 مليون متر مكعب، في وقت انخفضت فيه نسبة ملء بعض السدود الكبرى إلى أقل من 30 في المائة. وفي غياب خطة وطنية ملزمة لتحديد سقوف استعمال المياه على أساس مائي-إيكولوجي، تحول الاستغلال المفرط إلى القاعدة لا الاستثناء.

الخلفية التاريخية للمخطط.. غياب التقييم البيئي من البداية

أُطلق المخطط الأخضر عام 2008 في سياق عالمي اتسم بارتفاع أسعار الغذاء، وضغوطات دولية لتعزيز الأمن الغذائي. وقُدّم آنذاك بوصفه رؤية طموحة لجعل الفلاحة المغربية رافعة للتصدير والنمو. غير أن غياب تقييم بيئي استراتيجي، وعدم إشراك حقيقي لخبراء المياه والمجتمع المدني، أدّى إلى تثبيت اختيارات إنتاجية مكلفة مائيا في بيئة شحيحة أصلا.

ولم يتم اعتماد أي دراسات تأثير بيئي شاملة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية المتسارعة أو وضعية الأحواض المائية الهشة. هذا القصور التأسيسي جعل المخطط الأخضر يُبنى على فرضيات تنموية قصيرة الأمد، دون اعتبار للآثار المترتبة على البنيات الإيكولوجية أو العدالة المائية.

الري بالتنقيط.. بين الوهم التقني والانحراف الهيكلي

تفنّد الوثيقة أحد أكثر المقولات تداولا: أن تعميم الري بالتنقيط يُفضي تلقائيا إلى اقتصاد في الماء. فبخلاف ذلك، أدت هذه التقنية إلى توسيع الرقعة المزروعة بدل تقليص الطلب؛ ما حولها إلى أداة لمضاعفة الاستغلال عوض تقليصه.

ويعود هذا الانحراف، حسب التقرير، إلى غياب أي آليات مصاحبة تضبط التراخيص، وتربط الدعم بكفاءة الاستعمال، أو تُحدّد سقوفا مائية حسب قدرة كل حوض. كما أن البرنامج الوطني للاقتصاد في الماء، بدل أن يكون أداة للتكيّف مع الموارد، تحوّل إلى مشروع تقني منزوع من أي رؤية مجالية أو بيئية شاملة. وفشل هذا النموذج في ضبط التوسع الزراعي ما أفقده فعاليته كأداة للتكيف المناخي.

اقتصاد الريع المائي وتفاوتات الدعم العمومي

ينتقد التقرير بشكل لافت منظومة الدعم العمومي، التي بُنيت على مقاربة كمية لا تراعي أثر الزراعة على الموارد. فالدعم يُمنح حسب المساحة أو نوع النشاط، دون أن تُؤخذ في الحسبان الكلفة المائية أو الأثر الاجتماعي. وبهذا النمط، نشأ اقتصاد ريعي مائي تهيمن عليه فئات كبرى لها القدرة على الاستثمار، بينما تُرك صغار الفلاحين خارج دائرة الدعم والتجهيز، يكابدون الجفاف والمنافسة دون حماية مؤسساتية.

كما غابت أي تسعيرة تصاعدية للماء؛ ما جعل استهلاكه يتم بأسعار شبه رمزية حتى في ظل الشح، وهو ما فاقم من الفوارق المجالية والاجتماعية وأحدث اختلالات عميقة في منظومة العدالة الزراعية. ولعل أخطر ما في هذه المنظومة أنها رسّخت منطق الامتيازات بدل المساواة، وعمّقت الفجوة بين الفلاحة الكبرى التجارية والفلاحة المعاشية.

تصدير الماء في هيئة منتجات زراعية

يركز التقرير على مفارقة بنيوية عميقة: المغرب لا يصدّر الفاكهة فقط، بل يصدر مياهه في شكل زراعات ذات بصمة مائية مرتفعة، وهو ما يشكّل نزيفا غير مرئي للمخزون المائي من الأحواض الهشة نحو الأسواق الخارجية، خاصة الأوروبية والخليجية. والمفارقة أن هذا النزيف لا يُدرج ضمن تحليلات الجدوى الاقتصادية، ولا تتحمله الجهات المصدّرة، بل يقع عبؤه على المجال والساكنة.

كما أن هذا الاستنزاف لم يخضع لأي ضبط مؤسساتي يُراعي التوازن البيئي. وتشير الوثيقة إلى غياب أي إطار قانوني يحاسب على البصمة المائية للمنتجات المصدرة؛ ما يجعل من التصدير الزراعي في شكله الحالي تهديدًا للسيادة المائية.

اختلالات حوكمة الماء.. من غياب المؤسسات إلى فراغ البيانات

تُظهر الوثيقة ضعف التنسيق بين الفاعلين، وغياب قيادة مؤسساتية واضحة لتدبير المورد المائي. فمجلس الماء والمناخ لم يُفعّل منذ أكثر من عقدين، ووكالات الأحواض تفتقر إلى التمويل والصلاحيات. كما لا توجد قاعدة بيانات وطنية محدثة؛ ما يعرقل التخطيط ويجعل القرارات تُتخذ في ظل فراغ معرفي.

هذا الضعف المؤسسي يجعل من المستحيل وضع سياسات إنذار مبكر أو رصد التغيرات المائية في الزمن الحقيقي، وهي أحد أركان السيادة البيئية في العصر الحديث. ويدعو التقرير إلى تعزيز استقلالية وكالات الأحواض ومنحها صلاحيات تنفيذية حقيقية، مع استثمار عاجل في البنية التحتية الرقمية للمعلومة البيئية.

زاكورة.. مرآة الفشل المجالي والسياسي

تُقدّم الوثيقة نموذج زاكورة كصورة مكثفة لهذا الفشل. فبينما تُسقى الضيعات الموجهة للتصدير بمياه جوفية منهكة، يعيش السكان على تزويد أسبوعي عبر صهاريج متنقلة.

ويكشف التقرير أن السياسات العمومية لم تربط يوما بين الحق في الماء وحجم الاستغلال، بل تركت المجال للربح ليرسم الحدود، ولو على حساب الشرب. هذا الواقع يعكس غياب منظور حقوقي لقضية الماء؛ إذ لم يُدمج الحق في الماء ضمن المعايير القانونية لتوزيع الموارد، وهو خلل يُضعف شرعية السياسات.

وفي شهادة حيّة من الميدان، قالت أم محمد، إحدى ساكنات زاكورة: "أبنائي لا يعرفون الطماطم إلا في العيد، لكنهم يشاهدون شاحنات الفراولة تمر كل صباح إلى السوق المركزي".

وتُعد زاكورة اليوم بمثابة اختبار حي لفشل نموذج التنمية القائم على تصدير الماء واستهلاك الإنسان.

الحق في الماء.. من نص دستوري إلى واقع غائب

رغم التنصيص الصريح في الفصل 31 من دستور 2011 على الحق في الحصول على الماء، إلا أن هذا الحق ظل مُعلقا دون تفعيل قانوني فعلي أو إدماج ضمن السياسات التوزيعية. فالتقرير يؤكد أن هذا الحق لم يُحوَّل إلى أداة تشريعية ملزمة، ولم يُدرج ضمن معايير الترخيص أو الدعم الفلاحي؛ ما أدى إلى تغييبه من معادلات التخطيط. وهكذا، بدل أن يكون الحق في الماء معيارا موجها للسياسات العمومية، ظل شعارا رمزيا لا تجد له أثرا في المناطق العطشى.

لكن الأزمة أعمق من غياب التفعيل، إنها تعبر عن خلل مؤسساتي وهيكلي يجعل من الوصول إلى الماء معركة يومية في مجالات مثل زاكورة؛ حيث تتحول الحاجة إلى الشرب إلى عبء تقني ولوجستي. وبينما تسقى ضيعات مخصصة للتصدير بمياه جوفية ناضبة، تُزود الأسر بصهاريج أسبوعية. هذه المفارقة تكشف تحكم منطق الامتياز الاقتصادي في توزيع الموارد، وتحول العطش إلى حالة سياسية مستمرة، تُعيد إنتاج التفاوت بدل تقليصه.

ويشدد التقرير على أن غياب منظور حقوقي في تدبير الموارد ليس تفصيلا قانونيا، بل أحد أبرز أوجه أزمة الدولة في ربط العدالة بالاستدامة. فلا توجد آلية للطعن أو الإنصاف، ولا أدوات مؤسسية تُمكّن السكان من المطالبة بحقهم في الماء؛ ما يجعل هذا الحق مفرغا من مضمونه.

وتدعو الوثيقة إلى إصدار قانون إطار يربط بين الحق في الماء والعدالة البيئية، ويمنح المواطنين آليات واضحة للمساءلة والمطالبة والتعويض، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لأي مشروع تنموي عادل في سياق الندرة.

الهجرة المناخية.. النزوح الصامت نحو المدن

تُبرز الوثيقة، في طياتها، أن أزمة المياه تخلق موجات نزوح داخلية غير مرئية، خاصة من المناطق القاحلة نحو المدن. هذه الهجرة المناخية الصامتة تفاقم الضغط على المدن وتعمق التفاوت المجالي، دون أن تحظى باعتراف رسمي أو استجابة تخطيطية.

وتقدّر مصادر غير رسمية أن آلاف العائلات هجرت خلال السنوات الأخيرة أقاليم الجنوب الشرقي؛ ما يُلقي بظلال ثقيلة على مستقبل التوازن السكاني. ويدعو التقرير إلى الاعتراف الرسمي بالهجرة المناخية كواقع يجب إدماجه في السياسات الحضرية، مع ضرورة توفير برامج إعادة إدماج اجتماعي واقتصادي للوافدين الجدد.

نحو سيادة مائية عادلة

يدعو التقرير إلى إعادة بناء السياسة الفلاحية من منطق الكم إلى منطق الكفاءة، ومن هدف الربح إلى هدف البقاء. ويقترح منصة وطنية لبيانات الماء، وتسعيرة تصاعدية حسب الاستهلاك، وربط كل مشروع فلاحي بترخيص مرن قائم على البصمة المائية. كما يدعو إلى دمج المجتمع المدني، والصحافة البيئية، والمراكز البحثية في الرقابة والتوجيه، بما يعزز الشفافية ويمنع احتكار القرار.

وتشدد الوثيقة على ضرورة إصدار قانون شامل للماء يدمج الحق في الماء ضمن التشريعات البيئية والاجتماعية، مضيفة أن تعزيز مشاركة الإعلام البيئي قد يشكّل عنصرا حاسما في تنبيه الرأي العام، وتحريك الرقابة الاجتماعية، خاصة في ظل عجز مؤسساتي مزمن في توفير المعلومات البيئية في الوقت الحقيقي. ويُعد إشراك الجامعات والباحثين في رصد وتتبع الموارد خيارا استراتيجيا لا غنى عنه.

نحو نموذج بديل.. ما الذي تقترحه الوثيقة؟

في مواجهة ما تسميه الوثيقة بـ"النموذج الفلاحي غير العادل"، لا تكتفي بالإدانة أو التوصيف، بل تمضي في طرح رؤية بديلة تقوم على ثلاثية واضحة: إعادة بناء الحوكمة، والتحكم في الطلب، وتأمين مصادر جديدة. ويشدّد التقرير على أن الخروج من الأزمة لن يتحقق عبر حلول تقنية معزولة، بل من خلال انقلاب جذري في منطق السياسات، ينتقل من الكم إلى الكفاءة، ومن الامتيازات إلى المساواة، ومن العطش المزمن إلى عدالة مائية شاملة.

ويدعو المصدر نفسه إلى تأسيس نظام معلومات موحد للموارد المائية، يحلّ مشكل التشتت المؤسسي ويعيد للتخطيط مستنده العلمي. كما يؤكد على ضرورة إعادة توجيه الدعم الفلاحي، ليُربط بحجم الاستهلاك الفعلي للماء، لا بمساحة الأرض أو نوع الزراعة. وفي قلب هذه التحولات، تبرز الدعوة إلى اعتماد تسعيرة مائية تصاعدية، تضمن حق الفئات الهشة في الحصول على الماء، لكنها تردع الإفراط والتبذير.

ويقترح التقرير أيضا تحويل الحق في الماء من مبدأ دستوري معلّق إلى معيار عملي، يُدمج في شروط التراخيص والمشاريع، ويتيح للمواطنين أدوات الطعن والمساءلة. كما تُلح على ضرورة إنشاء مرصد أكاديمي دائم يعمل على رصد العلاقة المعقّدة بين الماء، والطاقة، والغذاء، والبيئة، ويساعد في توجيه السياسات نحو قرارات مبنية على الأدلة، لا على المصالح الظرفية.

في هذا التصور، لا يُختزل التحدي في تدبير الندرة، بل في بناء سيادة مائية عادلة، شفافة، ومستدامة، تُحشد لها كل أدوات القانون، والمعلومة، والمحاسبة، والمعرفة العلمية.

الأثر الممتد على الأجيال المقبلة

إن ما يُهدر من موارد مائية اليوم لا يخص الجيل الحالي فقط، بل يمثل عبئا ثقيلا مؤجلا على كاهل الأجيال القادمة. أطفال اليوم، الذين يكبرون في قرى عطشى ومزارع متصحرة، سيواجهون مستقبلا من التحديات البنيوية: من تآكل الفرشات المائية، إلى تغيّر الخريطة الزراعية، وتقلّص الأمن الغذائي.

وتؤكد الوثيقة أن هذا الامتداد الزمني للأزمة يُحتّم إدماج التفكير طويل الأمد في كل قرار سياساتي، مع اعتماد منظور وقائي في التخطيط المائي.

الظمأ القادم.. حين يصبح الجفاف سياسة

تؤكد الوثيقة أن خطر الجفاف ليس طبيعيا فحسب، بل سياسي ومؤسساتي أيضا. فكما أن الماء يُنتج الحياة، فإن السياسات هي من تُنتج الظمأ أو تُجنّبه. ولا يمكن حماية السيادة المائية دون مراجعة شاملة للمخطط الأخضر بكل ما يحمله من أعطاب ومنطق قديم لم يعد صالحا في زمن المناخ المتحوّل.

في النهاية، يبقى سؤال العدالة المائية سؤالا سياديا، يُمتحن فيه مدى جدية الدولة في اختيار منطق الاستدامة على حساب منطق السوق. وإذا لم تُعالج أزمة الماء من هذا المنظور، فقد يتحوّل العطش إلى تهديد مباشر للتماسك الاجتماعي، والسيادة الوطنية، واستقرار الدولة نفسها. والسؤال الأكبر الذي يطرحه التقرير - بجرأة مطلوبة - هو: من اختار هذا النموذج؟ ومن استفاد؟ ومن سيُحاسب؟