سجلت مؤسسة الوسيط اختلالات بنيوية عميقة في ممارسات نزع الملكية وتطبيق تصاميم التهيئة، محذرة من أن هذه الممارسات الإدارية لا تعرقل فقط حقوق المواطنين، بل تمس بشكل جوهري بالحق في الملكية الذي يكفله الفصل 35 من الدستور.
ويشير التقرير الذي يتوفر "تيلكيل عربي" على نسخة منه، إلى أن المواطنين يجدون أنفسهم عالقين لسنوات، وأحيانا لعقود، في حلقة مفرغة من القيود الإدارية، والتعويضات غير المنصفة، وحتى عند اللجوء إلى القضاء والحصول على أحكام نهائية، تستمر معاناتهم مع عراقيل إدارية غير مبررة.
تصاميم التهيئة
يسلط التقرير الضوء على إشكالية "تصاميم التهيئة" كأحد أبرز أوجه الخلل، فعلى الرغم من أن القانون رقم 12.90 ينص على أن مدة صلاحية هذه التصاميم هي عشر سنوات، ترفع بعدها القيود عن العقارات بقوة القانون، إلا أن الواقع يكشف عن ممارسة مختلفة تماما.
لاحظت المؤسسة أن الوكالات الحضرية تستمر في تسليم المالكين "بطاقات معلومات" تشير إلى أن عقاراتهم ما زالت مخصصة للمنفعة العامة حتى بعد انتهاء صلاحية التصميم.
وتبرر الإدارات هذا الموقف ببطء إعداد تصاميم جديدة والحاجة للتنسيق بين المتدخلين، لكن التقرير يعتبر أن تحميل المالك تبعات هذا التأخير غير مقبول.
وسبق للمؤسسة أن أصدرت توصيات في هذا الشأن، كما صدرت دوريتان وزاريتان في 2012 و2016 لمعالجة المشكل، إلا أن التقرير يسجل "محدودية تجاوب الوكالات الحضرية مع هذه التوجيهات"، والنتيجة هي حرمان الملاك من حقهم في التصرف في ممتلكاتهم لفترات تتجاوز بكثير الأجل القانوني، مما يحول التخطيط الحضري إلى أداة لتجميد الملكية بدلا من تنظيمها.
مسطرة التعويض
عندما يتم تفعيل مسطرة نزع الملكية، تبدأ حلقة أخرى من المعاناة، فالتقرير يؤكد مجددا أن الإشكالية تبدأ من ضعف قيمة التعويضات التي تقترحها لجان التقويم الإدارية، والتي تكون في الغالب أقل من الأسعار الفعلية المتداولة، مما يدفع غالبية الملاك إلى اللجوء للقضاء لتقدير تعويض مناسب.
هذا المسار القضائي، وإن كان يوفر حماية قانونية، إلا أنه يؤدي إلى تأخير كبير في صرف التعويضات بسبب ضعف الاعتمادات المالية المخصصة، ويثقل كاهل الخزينة العمومية بمبالغ أكبر.
رفض الدفع
المفارقة الأكثر حدة التي يرصدها التقرير تظهر بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، فبينما تسارع الإدارات المعنية إلى تقييد العقار باسمها في المحافظة العقارية، وتشرع في استغلاله، يصطدم المالك الأصلي بعراقيل بيروقراطية تمنعه من استيفاء مبلغ التعويض الذي حكمت به المحكمة.
ومن هذه العراقيل، اشتراط الإدارة على المالك تقديم وثائق إضافية لرفع اليد عن رهون أو تقييدات، رغم أن الحكم القضائي يفترض أنه يطهر العقار وينقل الملكية صافية.
وخلص التقرير إلى أن هذه الممارسات المتكررة تجرد الأحكام القضائية من قوتها الإلزامية، وتفرغ الحق في الملكية من محتواه، وتضعف ثقة المواطن في كل من الإدارة والقضاء على حد سواء.
ودعا التقرير إلى ضرورة التفكير في بدائل عملية، مثل مبادرة الإدارة إلى اقتناء العقارات وتعويض المالكين داخل آجال معقولة بمجرد إقرار المنفعة العامة، بدلا من تركهم في حالة من عدم اليقين القانوني والمالي لسنوات طويلة.