ما رسائل إسبانيا من وراء مناورتها العسكرية الجديدة قرب المغرب؟

تيل كيل عربي

أطلقت وزارة الدفاع الإسبانية عملية عسكرية واسعة النطاق تحت اسم «سينيرجيا 25»، في خطوة غير مسبوقة تعكس تصاعد التوتر مع المغرب حول عدد من الملفات الترابية والسيادية. وتشمل هذه العملية انتشارًا منسقًا للقوات البرية والبحرية والجوية في مناطق تعتبرها مدريد حيوية لأمنها القومي، من أبرزها مضيق جبل طارق والبحر المتوسط الغربي وجزر الكناري، إضافة إلى مدينتي سبتة ومليلية والجزر والصخور الخاضعة للسيادة الإسبانية قبالة السواحل المغربية. وتهدف هذه التحركات إلى تعزيز المراقبة وحماية خطوط الملاحة الدولية في مواجهة ما تصفه السلطات الإسبانية بزيادة الضغوط الدبلوماسية المغربية ومواصلة الرباط تأكيد مطالبها بشأن سبتة ومليلية وبعض الجزر.

على الصعيد البري، قامت إسبانيا بنقل وحدات من الفيلق الإسباني إلى جزر تشافاريناس، بما في ذلك الجزر الثلاث: إيزابيل الثانية وكونغريسو والملك. وتشارك هذه الوحدات في مهام مراقبة مكثفة لرفع مستوى اليقظة في هذه النقاط الحساسة. كما نفّذ فوج المهندسين رقم 8 دوريات استطلاعية في مليلية في إطار مهام «الحضور غير الدائم»، ما يعزز من قدرة الجيش الإسباني على التدخل السريع والاستجابة لأي تحركات غير متوقعة.

أما في المجال البحري، فقد تمركز زورق الدورية «سنتينيلا» في مياه مضيق جبل طارق بهدف مراقبة حركة الملاحة الكثيفة في المنطقة التي تُعد من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم. وفي موازاة ذلك، تولت الفرقاطة «ريينا صوفيا» تعقب غواصة روسية تعرف بقدرتها العالية على التخفي، إضافة إلى سفينة إمداد روسية، قبل أن ترسو في ميناء مليلية. وفي الأرخبيل الكناري، يواصل سفينة Tornado القيام بدوريات لمراقبة السواحل، فيما ينفذ الزورق Isla de León مهمات مشابهة قرب سبتة والجزر القريبة منها.

في الجو، عزز سلاح الجو الإسباني حضوره من خلال طلعات لطائرة استطلاع من طراز D4 تابعة للسرب 49 انطلاقًا من قاعدة سون سان خوان في مايوركا. وتكفلت هذه الطائرة بمراقبة بحر البوران دعماً للقيادة البحرية. كما نشر فوج المدفعية الساحلية رقم 4 أجهزة استشعار وأنظمة مدفعية في منطقة Campo de Gibraltar، وهو ما يرفع من قدرات الدفاع الساحلي الإسباني ويمكّنه من متابعة حركة السفن في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

يأتي هذا التحرك العسكري منسجمًا مع مناورات أخرى مثل Eagle Eye 25-03 في جزر الكناري وJoint Shield 3-25 في مضيق جبل طارق، ما يعكس رغبة وزارة الدفاع الإسبانية في توحيد إمكانيات القوات البرية والبحرية والجوية، وتأمين رد سريع وفعّال على أي طارئ. ومن المنتظر أن يستمر هذا الانتشار إلى غاية يوم الأحد المقبل، في إطار خطط إسبانيا للدفاع الوقائي وحماية مصالحها الاستراتيجية والتزاماتها الدولية.

 

ويؤكد محللون عسكريون إسبان أن العملية تمثل رسالة ردع واضحة تجاه المغرب الذي يواصل تأكيد مطالبه بسيادته على سبتة ومليلية وعدد من الجزر القريبة. كما يرون أن هذه التعبئة العسكرية الواسعة تُبرز تفوق إسبانيا العسكري النوعي في المنطقة، وتكشف عن جاهزيتها لحماية أراضيها وتأمين طرق الملاحة الدولية في كل من البحرين المتوسط والأطلسي. ويعتبر هؤلاء أن مدريد، عبر هذه المناورات، تسعى إلى طمأنة سكان الأقاليم الخاضعة لسيادتها في شمال إفريقيا، وإظهار استعدادها لمواجهة أي سيناريو قد يشكل تهديدًا لاستقرارها أو يضغط على مصالحها الاستراتيجية.

 

عمليات سابقة تلقي الضوء على نمط التّعبئة العسكرية

في هذا السياق، من المفيد استحضار عدد من العمليات العسكرية والإستراتيجيات الأمنية التي قامت بها إسبانيا في السنوات الأخيرة، والتي تشبه إلى حدّ بعيد ما تُقدّمه "سينيرجيا 25".

 

ومن بين عمليات مماثلة سبق أن نفّذتها إسبانيا كانت عمليات الحضور والمراقبة والردع (Presence, Surveillance and Deterrence Operations).

فمنذ مطلع عام 2025، قامت قيادة العمليات البرية الإسبانية (MOT) بتفعيل وحدات قتالية أزمة انتشارها في الأراضي الإسبانية غير القارية، بما فيها سبتة ومليلية والجزر.

الهدف من هذه التركيبات هو ضمان وجود عسكري محسوس، ودوريات استطلاعية، ومراقبة للحدود والمناطق ذات الحساسية الأمنية، لمنع أي اختراق أو استغلال من جهات خارجية.

هناك أيضا العمليات الموسّعة في الجزر الخارجية، فففي أشهر الربيع 2025، تم نشر مجموعات قتالية فرعية من MOT في جزر الكناري مثل لانزاروتي ولا غوميرا، بالإضافة إلى دوريات في الجزر التي لا تتوفّر فيها عادة قوات عسكرية دائمة، للتأكد من تغطية كافة النقاط وإشعار السكان المحليين بوجود الدولة فيها.

أيضا، أجرت تدريبات ومناورات عسكرية جوّية وبحرية. وتتضمّن العمليات السابقة استخدام الفرقاطات والزوارق الدورية، بالإضافة إلى طائرات استطلاع ودعم جوي، لمراقبة الأنشطة البحرية غير المعلنة، مثل التهريب أو عبور القوارب غير النظامية. كما تمّ في بعض المناسبات رصد غواصات أو وحدات بحرية أجنبية عبر أنظمة مراقبة بحرية وإشعاعية.

لوحظ أيضا دمج الجزر البليار في مهام الحضور العسكري، ففي عمليات الحضور والمراقبة، تمّ إدخال جزر البليار ضمن نطاق مسؤولية القيادة البرية (MOT) عام 2025، ما يعني تشديد المراقبة العسكرية أيضاً في الجزر ذات الأهمية الحضرية والسياحية، مثل إيبيزا.

 

نقاط التشابه مع "سينيرجيا 25"

التركيز على المناطق غير القارية: كلّ من سبتة، مليلية، الجزر، وجزر السيادة الإسبانية تظهر كمناطق محورية في الاستراتيجية الإسبانية، نظراً لقربها من السّاحل المغربي ولأهميتها الجيوسياسية.

كذلك، يلاحظ مزيج من القوات البرية والبحرية والجوية، فالتنسيق بين هاته القوات أصبح سمة دائمة، لتوفير تغطية أمنية من الجو والبحر والبرّ، مما يعزز جاهزية الرد عند الضرورة.

كما تهدف إلى مراقبة الممرّات البحرية والحدود البرية: مع زيادة الهجرة غير النظامية، التهريب، والتوترات الدبلوماسية، حُدّدت هذه الممرات كمجالات استراتيجية تحتاج إلى تأمين دائم.