قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية الفقرتين الأوليين من المادتين 408 و410 من القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، في الشق المتعلق بإسناد اختصاص تقديم طلب الإحالة إلى وزير العدل، معتبرة أن ذلك يمس بمبدأ فصل السلط واستقلال السلطة القضائية.
في هذا الصدد، أفاد عثمان الزياني، المحلل في القانون الدستوري، أن قرار المحكمة القاضي بعدم دستورية الفقرتين الأوليين من المادتين 408 و410 من القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، استند على أساس دستوري متين ومركب، بالاعتماد على مجموعة من الأحكام الدستورية، منطلقها التأكيد على أن "النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها، وتعاونها".
وأضاف الزياني أن "السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية" والحكومة هي التي تمارس السلطة التنفيذية، وبحكم أن الحكومة تتكون من رئيس الحكومة والوزراء، فوزير العدل عضو في السلطة التنفيذية. وبالمقابل نجد أن القاضي يقوم بمهمة حماية حقوق الأفراد والجماعات وتطبيق القانون، في استقلال عن باقي السلط.
وأبرز الزياني، في معرض حديثه، أن هذا الأساس الدستوري يتعزز بوجود قوانين تنظيمية بالغة الدلالة والاستدلال، بداية من القانون التنظيمي للحكومة (المادة 9) الذي يؤكد أن الوزراء يمارسون اختصاصاتهم في حدود الصلاحيات المخولة لهم بموجب المراسيم المحددة لتلك الاختصاصات المشار إليها في المادة 4، والقانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية (المادة 2) الذي يفيد بأن ممارسة السلطة القضائية تقتصر على القضاة المزاولين لمهامهم، وكذلك النظام الأساسي للقضاة (المادة 25) الذي ينص على أن قضاة النيابة العامة يوضعون تحت سلطة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورؤسائهم التسلسليين.
وأفاد المصدر ذاته، أنه على هذا الأساس، يمكن التأكيد على أن المحكمة الدستورية اعتمدت على نصوص دستورية صريحة ومباشرة لا تحتمل أي تأويل واسع (استقلال السلطة القضائية، فصل السلط، وطبيعة الحكومة كسلطة تنفيذية).
وبين الزياني أن المحكمة تبنت تأويلا حازما وصارما لمبدأ فصل السلط وقطعت الطريق على أي محاولة للسلطة التنفيذية للتدخل في البعد الإجرائي للعمل القضائي، ما يعزز أكثر من منسوب استقلال القضاء، وخاصة حماية استقلالية القاضي في عمله وجعله في منأى أو معزل عن أي تأثير سياسي وتنفيذي. مما سيساهم بشكل واضح في تعزيز الأمن القضائي والقانوني.
وأشار الزياني إلى أن المحكمة اعتبرت أن منح وزير العدل صلاحية تقديم طلب الإحالة يمس بمبدأ فصل السلط، بحكم أن وزير العدل ينتمي إلى السلطة التنفيذية، وبما أن الدستور ينص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية، فإن إعطاء الوزير صلاحية تؤثر في سير الدعوى القضائية، يخرق هذا المبدأ الدستوري الأصيل.
وفي ما يتعلق بصلاحية تقديم طلب الإحالة، قال الزياني، إنها تتعلق بمجال إجرائي قضائي صرف، حيث نجد أن الإحالة بسبب تجاوز القضاة لسلطاتهم (المادة 408)، والإحالة بسبب التشكك المشروع في حياد القضاء (المادة 410). هذان الأمران يقعان في صميم اختصاص من يمارسون السلطة القضائية قانونيا وفعليا، ولا يندرجان ضمن اختصاص السلطة التنفيذية. كما أنه حتى ولو افترضنا جدلا منح هذا الاختصاص لوزير العدل فكيف يمكن ممارسته عمليا.
واستطرد قائلا: وعليه فإن تدخل وزير العدل في هذا المجال يعتبر مساسا أكيدا باستقلال القضاء، لأن طلب الإحالة قد يؤدي إلى نقل الدعوى أو التأثير في مسارها، مما يعني تدخلا غير مشروع من السلطة التنفيذية في عمل القضاء.
وفي هذا الصدد، أفاد الزياني بأن المحكمة ميزت بشكل بليغ بين حالات التدخل، حيث نجد أنها قبلت بكون وزير العدل يستطيع تقديم طلب إحالة في حالة واحدة (المادة 411)، عندما يكون الغرض الوقاية من المس بالنظام العام، أي لأسباب أمنية عامة، وليست قضائية صرفه. أما في الحالتين المتعلقتين بالمادتين 408 و410، فهما تتعلقان بكنه العمل القضائي واستقلاليته.
وقد خلصت المحكمة إلى أن الفقرتين الأوليين من المادتين 408 و410 تعتبران غير مطابقتين للدستور، في الشق الذي خول للوزير المكلف بالعدل تقديم طلب الإحالة من أجل الاشتباه في تجاوز القضاة لسلطاتهم أو من أجل التشكك المشروع.
وخلص إلى أنه لا يجوز لوزير العدل أن يمارس سلطة تدخل في سير الدعوى القضائية أو في تنظيمها، لأنه بذلك يخرق مبدأ استقلال القضاء، وهو ركن دستوري أصيل. والصلاحيات ذات البعد القضائي الصرف يجب أن تمارس فقط من طرف من ينتمون للسلطة القضائية (قضاة الحكم أو النيابة العامة تحت إشراف الوكيل العام).